2026-07-22 - الأربعاء
banner
مقالات مختارة
banner

الأرجنتين ليست خافيير ميلي!

{clean_title}
جهينة نيوز -
فارس قاقيش
دنفر، الولايات المتحدة

الهجوم العربي الحالي على الأرجنتين مفهوم، فسببه الرئيس خافيير ميلي الذي اختار منذ وصوله إلى السلطة أن ينحاز بصورة غير مسبوقة إلى إسرائيل، سياسيًا ورمزيًا، حتى أصبح أحد أكثر القادة تأييدًا لها.

من حق كل إنسان حر أن يرفض هذا الموقف وأن ينتقده بلا مجاملة. لكن المشكلة تبدأ عندما نختزل تاريخ بلد كامل في سياسة رئيس واحد مؤقت قد يرحل بعد سنوات، أو نحول خلافنا مع حكومة إلى عداء لشعب بأكمله لا يستحق العداء.

فالدول ليست رؤساءها، والشعوب ليست حكوماتها، فشعب الولايات المتحدة من أكثر شعوب العالم كرما وانسانية، مع بعض الاستثناءات، وبالضرورة لا يعكس مواقف رئيسه. كذلك حال بريطانيا وإيطاليا وغيرهما من الدول.

ولو عدنا إلى التاريخ قليلًا، لوجدنا أن الأرجنتين لم تكن دائمًا في الموقع الذي يريده ميلي اليوم. ففي عام ١٩٤٧ صوّتت ضد قرار تقسيم فلسطين، واعترفت رسميًا بدولة فلسطين عام ٢٠١٠ على حدود عام ١٩٦٧، وظلت سنوات طويلة تؤيد في الأمم المتحدة عددًا كبيرًا من القرارات التي تؤكد حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره.

لكن، في المقابل، لا تكتمل الصورة إذا تجاهلنا حقيقة أخرى. فالأرجنتين تضم واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في العالم، ومنذ عقود يتمتع التيار الصهيوني فيها بحضور سياسي واقتصادي وثقافي مؤثر. كما هاجر عشرات الآلاف من اليهود الأرجنتينيين إلى الكيان الإسرائيلي، ويعيش بعضهم في المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويخدمون في الجيش الإسرائيلي. لذلك فإن انحياز خافيير ميلي لم يأتِ من فراغ، بل وجد أرضية سياسية واجتماعية غنية ساعدت على هذا التقارب، وإن كان الرئيس قد دفع به إلى مستوى غير مسبوق من التأييد العلني لإسرائيل.

ومع ذلك، لا يجوز أن نمحو تاريخ الأرجنتين كله بسبب هذا الواقع. ففي داخلها أيضًا أحزاب ونقابات وأكاديميون ومثقفون وحركات اجتماعية رفضوا سياسات ميلي، وانتقدوا انحيازه لإسرائيل، وما زالت هناك أصوات أرجنتينية تدافع عن الحقوق الفلسطينية بقوة، وقد شاهدنا ذلك في مباراة كأس العالم حيث أبدى مشجعو الارجنتين دعمهم لفلسطين.

ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن الشارع العربي نفسه وقف يومًا إلى جانب الأرجنتين في حرب جزر مالفيناس، التي تعرفها بريطانيا باسم جزر الفوكلاند، عام ١٩٨٢. فيومها رأى العرب أن الأرجنتين تواجه بقايا استعمار بريطاني، فانحازوا إليها، ليس حبًا في حكوماتها، بل لأن الوجدان العربي كان يقف مع من يراه يواجه احتلالًا أو هيمنة استعمارية.

واليوم، لأن رئيسًا واحدا جاء بسياسة مختلفة، فمن غير المقبول أن يريد البعض أن يمحو كل ذلك التاريخ بجرة قلم!

أما خافيير ميلي، فقد وقف أمام حائط البراق، الذي يسميه الإسرائيليون "حائط المبكى"، وبكى أمام عدسات الكاميرات. لكن المأساة ليست في البكاء، بل في الجهة التي اختار أن يذرف دموعه عليها. ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تُقصف، والأطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض، والمستشفيات تُدمّر بمن فيها من مرضى، اختار أن يبكي على حجارة، لا على البشر ومصير الإنسانية والتجويع.

فالدموع لا تكتسب قيمتها من كميتها، بل لأن من ذرفت من أجله كان مظلومًا. والبكاء الحقيقي يكون على الضحية، لا على من يمتلك القوة والسلاح ويفرض الحصار والتجويع والاحتلال.

ولهذا خرج ملايين الأحرار في العالم، من مختلف الأديان والقوميات، وهم يرفعون الكوفية الفلسطينية، لأنها أصبحت رمزًا عالميًا لمقاومة الظلم. ولم يكن غريبًا أن تظهر أيضًا صور تشي غيفارا في كثير من تلك التظاهرات، باعتباره رمزًا للنضال من أجل الحرية في نظر مؤيديه، للوقوف إلى جانب الشعوب المقهورة في مواجهة الهيمنة والاحتلال والاستغلال. 

لهذا، فمن حقنا أن نرفض سياسات ميلي، وأن ننتقد انحيازه لإسرائيل بلا تردد، لكن ليس من حقنا أن نحاكم أكثر من خمسة وأربعين مليون أرجنتيني بخطيئة رئيس واحد، ولا أن نمحو تاريخًا كاملًا فيه مواقف إنسانية لا يمكن إنكارها. فالعدالة لا تتجزأ، ومن ينشدها لفلسطين، عليه أن يلتزم بها أيضًا في أحكامه على الآخرين.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير