banner
مقالات مختارة
banner

إذا تحدَّثتِ الأرواحُ عن الحبِّ... صمتَ الكلامُ عند محمدٍ ﷺ

{clean_title}
جهينة نيوز -

بقلم: الدكتورة إيمان الشمايلة

في أعماقِ الروحِ مواطنُ لا تسكنُها الكلمات، وأسرارٌ لا تُفتحُ أبوابُها إلا بمفاتيحِ المحبة. هناكَ حيثُ يهدأُ ضجيجُ الدنيا، ويصمتُ العقلُ قليلًا، يبدأُ القلبُ في قراءةِ كتابٍ لا تُكتبُ صفحاته بالحبر، بل تُكتبُ بنورٍ يسكنُ الوجدان.
وهناكَ يظهرُ معنى الحبِّ الذي لا يُقاسُ بقربِ الأجساد، ولا بعددِ اللقاءات؛ فبعضُ الأرواحِ تسكنُ القلوبَ وإن حالتْ بينها وبينَها القرون، وبعضُ الحضورِ أقوى من كلِّ غياب.
ومن أعجبِ أسرارِ المحبةِ أنَّها تجعلُ البعيدَ قريبًا، والغائبَ حاضرًا، والاسمَ حياةً تسري في أعماقِ القلب. وهكذا تبقى محبةُ محمدٍ ﷺ في نفوسِ المؤمنين؛ حضورًا لا تحدُّه الأيام، وشوقًا لا تُطفئه المسافات.
يا محمدًا ﷺ...
ما أنتَ في قلوبِ محبِّيك اسمًا يُقال، بل نورًا يُستدلُّ به، ورحمةً تهتدي بها الأرواح، وسيرةً كلما أبحرَ الإنسانُ فيها اكتشفَ جمالًا جديدًا من معاني الإنسانية.
كلما ذُكر اسمُك خشعَ القلب، وكلما قُرئت سيرتُك شعرتِ الروحُ أنَّها أمامَ نبعٍ لا ينضب، وأنَّ بين الماضي والحاضر جسرًا من المحبة لا تهدمه القرون.
في مدرسةِ المحبةِ، لا تُحسبُ المسافاتُ بالأميال، ولا تُقاسُ القربى باللقاء؛ فكم من قريبٍ غابَ عن القلب، وكم من حبيبٍ لم ترَه العينُ لكنه سكنَ أعماقَ الروح.
وهكذا كان محمدٌ ﷺ...
حبيبًا للقلوبِ التي عرفتْ معنى الرحمة، وقائدًا للأرواحِ التي بحثتْ عن طريقِ الصفاء. لم تكن عظمته في زخارفِ الدنيا، بل في ذلك النورِ الذي جعلَ القلوبَ القاسيةَ تلين، والنفوسَ الحائرةَ تهتدي، والإنسانَ يعرفُ قدرَ أخيه الإنسان.
يقولُ أهلُ المحبة: إنَّ القلبَ إذا امتلأَ بنورٍ عظيم، تغيَّرتْ رؤيتُه للحياة؛ فيصبحُ للرحمةِ معنى، وللأخلاقِ مقام، وللعطاءِ لذَّة لا يعرفها إلا من ذاقَ جمالَ القربِ من الله.
فمحبةُ محمدٍ ﷺ ليست هروبًا من الحياة، بل ارتقاءٌ فيها. هي أن يحملَ الإنسانُ قلبًا أكثرَ رحمة، ونفسًا أكثرَ تواضعًا، ولسانًا أكثرَ صدقًا؛ لأنَّ المحبَّ الصادقَ لا يكتفي بذكرِ محبوبه، بل يسعى أن يحملَ من صفاته ما يستطيع.
إنَّ العشقَ الحقيقيَّ ليس كثرةَ الكلماتِ حول المحبوب، بل أن يتحوَّلَ أثرُ المحبوبِ إلى حياة. أن يصبحَ الصدقُ خُلقًا، والأمانةُ عهدًا، والرحمةُ طريقًا، والإحسانُ لغةً يمشي بها الإنسانُ بين الناس.
وفي مقامِ المحبة، لا يبقى محمدٌ ﷺ مجردَ شخصيةٍ في صفحاتِ التاريخ، بل يصبحُ أثرًا حيًّا في القلوب. كم من إنسانٍ غيَّرته لحظةُ تأملٍ في سيرته؛ رقَّ قلبُه بعد قسوة، وعاد إلى الخير بعد بُعد، واكتشفَ أنَّ أعظمَ ما يملكه الإنسانُ ليس ما يجمعُه من الدنيا، بل ما يزرعه اللهُ في قلبه من نور.
ولهذا، فإنَّ المستقبلَ مهما بلغَ من علمٍ وتقدُّم، سيبقى محتاجًا إلى أخلاقٍ تُنقذُ الإنسانَ من قسوةِ المادة، وإلى قيمٍ تعيدُ للقلبِ توازنه. فالعالمُ قد يملكُ سرعةَ الوصول، لكنه يحتاجُ دائمًا إلى حكمةِ الطريق.
ومحمدٌ ﷺ ليس ذكرى من الماضي، بل معنى ممتدٌّ في الحاضر والمستقبل؛ لأنَّ النورَ لا يرتبطُ بزمن، والرحمةَ لا تنتهي بانتهاءِ أصحابها، والأثرَ العظيمَ يبقى حاضرًا ما بقيتْ قلوبٌ تبحثُ عن الخير.
فإذا تحدَّثتِ الأرواحُ عن الحبِّ، صمتَ الكلامُ عند محمدٍ ﷺ؛ لأنَّ بعضَ المحبةِ مقام، وبعضَ العشقِ سرّ، وبعضَ الأنوارِ لا تستطيعُ الأقلامُ وصفَها، بل تُعرفُ بآثارها في القلوب.
وهناك، عند بابِ المحبة، يقفُ القلمُ خاشعًا، ويكتفي القلبُ بأن يهمس:
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير