banner
مقالات مختارة
banner

هل صناعة محتوى الاطفال اصبحت شكلا جديدا من عمالة الاطفال؟

{clean_title}
جهينة نيوز -

بقلم ديما الحسين 

تنويه: اسم "سامر" بالمقال مستعار، والتفاصيل مبنية على نمط متكرر لاحظته عند كتير عائلات، مش قصة عائلة وحدة بعينها.

 

مراهق يصور  نفسه داخل غرفته وحيدا

 

سامر عنده 12 سنة.
مو نايم، مو قاعد يلعب.
كل يوم بعد المدرسة، بيسكر باب غرفته، بيحط الموبايل على الحامل الصغير، وبيصور نفسه وهو يلعب.
مرة، مرتين، وأحياناً خمس مرات لنفس الفيديو، لحد ما "يطلع مظبوط".
أمه واقفة برا الباب، سامعة صوته يعيد ويزيد، وفرحانة بصراحة، لأنه ابنها "شاطر" و"عنده موهبة" ما كل ولد عنده.

 
البداية كانت بريئة

بلش الموضوع زي ما بيبلش مع أغلب الأولاد، بفيديو واحد نزله سامر لأنه بحب الألعاب وحب يشارك أصحابه. جاب لايكات، جاب تعليقات حلوة، وحس إنه لأول مرة في شي بيعمله وبينتبهله الناس. أمه شجعته، وليش لأ، هيك رد فعل طبيعي من أي أم شافت ابنها مبسوط وناجح بشي. حتى إنها صارت تحكي عنه لصحباتها بفخر: "سامر عنده موهبة حقيقية بالتصوير، شوفو كم لايك جاب."

بس بعد شهرين، صار في فرق. صفحة سامر صار إلها متابعين، وبلشت تجيب "هدايا" من شركات صغيرة، وبعدين صارت تجيب فلوس حقيقية، مش كتير، بس حقيقية. وهون بالضبط بلش يتغير شيء ما حدا انتبهله.

سامر صار يحس إنه لازم ينشر كل يوم، مش لأنه بده، لأنه "عشان الصفحة ما اتموت". صار يأجل نومه عشان يخلص مونتاج الفيديو. صار يزعل كتير، أكتر من زعله الطبيعي، لو فيديو ما جاب مشاهدات كفاية. وأمه، من كتر فرحتها بنجاحه، صارت هي كمان تسأله كل يوم "صورت اليوم؟" أكتر ما بتسأله "كيف كان يومك بالمدرسة؟" أو حتى  كيف كان امتحانك صار جل اهتمامها التصوير.

ما  حدا بالبيت قال لسامر "انتا موظف هلأ". ما  حدا وقّع عقد شغل. بس عملياً، صار عند ولد بعمر 12 سنة التزام يومي، وتوقعات، ومصدر قلق مرتبط بشغل، بعمر ما بيسمحلو يشتغل فيه قانونياً لو كان بمصنع أو محل بيع.

عمالة الأطفال مالها شكل واحد بس

لما نسمع كلمة "عمالة أطفال" بيجينا في بالنا صورة معينة: ولد واقف امام محل لبيع  المشروبات   الساخنة، أو بنت بتشتغل بمحل خياطة بدل ما تكون بالمدرسة. هاي الصورة صحيحة، بس ناقصة، لأنه قصة سامر بتفرجينا شكل جديد كلياً من نفس الفكرة، وعلى أخطر لأنه ما إله ملامح واضحة. بيصير جوا البيت نفسه، بموافقة الأهل، وأحياناً بتشجيعهم، ولابس لبس "الموهبة" و"التميز" مش لبس "الشغل".

ما في حدا واقف بباب الغرفة يمنع. ما في مفتش عمل. ما في صافرة إنذار. في بس طفل قاعد يحمل مسؤولية أكبر من عمره، وأم مقتنعة إنها عم تدعم موهبته.

في فرق بين ثلاث حالات، وكتير أمهات بتخلطهم مع بعض. طفل بيصور من وقت لوقت لأنه بيحبه بدون جدول ثابت، هاي هواية طبيعية وصحية. طفل صار عنده حساب ثابت وجدول نشر والأهل عم يديرو المحتوى والدخل، هاي بتقرب من مفهوم العمالة حتى لو ما حدا سماها هيك. وطفل صار مصدر دخل أساسي أو جزئي للعيلة وصار في ضغط غير مباشر عليه إنه يستمر، هون الطفل عملياً صار موظف بدون أي حماية. سامر كان بمنتصف الطريق بين الحالة الثانية والثالثة، وهاد بالضبط المكان يلي كتير أولاد فيه اليوم.


كيف عرفت أم سامر إنه في مشكلة

أم سامر ما انتبهت من نفسها، انتبهت لما جارتها سألتها "سامر شكله متعب هالأيام، كل شي تمام؟" هون وقفت تراقب أكتر، ولاحظت إشارات كانت موجودة من فترة بس هي ما ربطتها ببعض.

لاحظت إنه سامر صار يأجل واجبه المدرسي عشان يخلص فيديو. لاحظت إنه مزاجه صار يتغير بسرعة حسب عدد المشاهدات، مبسوط الصبح وزعلان الظهر لنفس الفيديو. لاحظت إنه صار عنده حسابات وتعليقات ما بتعرف فيها، وإنه وقته الحر كله صار رايح على التصوير والرد على الناس. وأخطر شي، لاحظت إنها هي نفسها صارت تشارك بالقرار، بتقوله "صور اليوم موضوع كذا، الناس بتحب هيك محتوى"، من غير ما تسأل نفسها هل هاد اختياره هو أصلاً.

مع  الوقت  ممكن الطفل يربط احساسة بالنجاح بعدد المشاهدات او  الإعجابات هون الطفل يقيم التفالعل بالنسبة له وكأنه نجاح او فشل شخصي.

قعدت أم سامر تفكر بالموضوع كتير قبل ما تتصرف، لأنها ما بدها تكسر شيء كان أصله حلو ومبني على موهبة حقيقية. بس الإشارات كانت واضحة أكتر ما بتقدر تتجاهلها.

📖 لو حسيتي إنه ابنك صار يخفي عنك أشياء تانية غير التصوير، اقرأي:
5 أشياء يخفيها كل مراهق عن أهله وأنت بالتأكيد لا تعرف واحدة منها

ام تنظر بقلق على ابنها وهو  يجيب على اسئلة المتابعين


 
شو بيقول القانون الأردني في هذا الموضوع

لما سألت أم سامر نفسها "هل في شي قانوني بيحميه؟"، اكتشفت إنه الموضوع مش واضح تماماً زي ما كانت تتوقع. قانون حقوق الطفل الأردني رقم 17 لسنة 2022 حط أساس مهم، فالمادة الثامنة منه بتلزم الجهات المختصة بتبني سياسات وإجراءات تحمي الطفل من التعرض لأي محتوى فيه استغلال أو إساءة.

من ناحية تانية، قانون العمل الأردني رقم 8 لسنة 1996 وتعديلاته واضح جداً بمنع تشغيل أي حدث ما أكمل السادسة عشرة من عمره بأي صورة من الصور بمعنى انه ينظم  علاقات العمل التقليدية. المشكلة إنه المحتوى الرقمي لسا ما إله تصنيف واضح ضمن "التشغيل" بالمعنى القانوني التقليدي، وهون بالضبط الفجوة يلي لازم كل أم تكون واعية فيها لانه لا تزال منطقة قانونية غير محسومة في الاردن، لأنه غياب النص الصريح ما معناه إنه الموضوع مسموح أو آمن.

الخبر الحلو إنه في تحرك رسمي على هذا الموضوع، المجلس الوطني لشؤون الأسرة أعلن عن لجنة وطنية جديدة لحماية الأطفال واليافعين من مخاطر الفضاء الرقمي، برئاسة هيئة تنظيم قطاع الاتصالات. هاد مؤشر إنه الدولة بدأت تأخذ الموضوع بجدية، بس لحد ما يصير في نص قانوني واضح ومطبق، المسؤولية الأولى لسا عالبيت. القانون بيحمي بعد ما تصير المشكلة، أما وعي الأم بيمنعها قبل ما تصير أصلاً.

📖 لو بدك تعرفي أكتر كيف تحمي ابنك من مخاطر تانية في الفضاء الرقمي، اقرأي:
دليل الاب الاردني في التوجيه الرقمي وكيف تبني شخصية ابنك المراهق في عصر الشاشات

شو غيرت أم سامر

أم سامر ما منعت ابنها من التصوير، لأنه فعلاً كان موهوب وكان محب للموضوع من قلبه بالأساس. اللي غيرته كان طريقة تعاملها مع الموضوع، مش الموضوع نفسه.

قعدت مع سامر وسألته سؤال بسيط: "لو بطلت تصور بكرا، شو حاسس رح يصير؟" وردة فعله فاجأتها، لأنه تردد كتير قبل ما يجاوب، وقالها بصوت خافت: "بس شو رح يقولو المتابعين؟" وهاد وحده كان كافي يشعرها إنه في ضغط حقيقي مش مجرد هواية، لأنه ولد بعمر 12 سنة صار يفكر بمشاعر ناس ما بيعرفهم أكتر ما بيفكر بمشاعره هو.

حطت معه حدود واضحة للوقت، ساعة أو ساعتين بالأسبوع بدل ما يكون الموضوع كل يوم بعد المدرسة، وخلته هو المشارك بتحديد هذه الحدود مش بس يتلقى لقرار جاهز. أكدت له إنه إله الحق يوقف بأي وقت حتى لو في متابعين مستنيين، وحتى لو في دخل مالي مرتبط بالاستمرار، لأنه هو أهم من أي صفحة. المال القليل يلي كان يجي من المحتوى، حطتها بحساب توفير باسمه، عشان يفهم إنها مكافأة على موهبته مش راتب لازم يستمر يستحقه. وشجعته يجرب أشياء تانية بدون كاميرا، رياضة وقراءة، عشان إحساسه بقيمته ما يضل مربوط بس بعدد المشاهدات.

الأصعب بالنسبة لأم سامر كان تغيير نفسها هي، مش بس تغيير قواعد ابنها. لأنها اكتشفت إنها من غير ما تقصد، صارت جزء من الضغط عليه. لما بلشت تسأله عن يومه المدرسي قبل ما تسأله عن الفيديو، وتمدحه على تفاصيل تانية غير المشاهدات، حس سامر بفرق حقيقي بعلاقتهم.

بعد شهر، سامر لسا بيصور، بس بفرق واحد مهم: صار يوقف لما يتعب، وصار يحكي لأمه لما يحس إنه الموضوع صار ثقيل، بدل ما يخبي.

مثلث المسؤولية

قصة سامر هي قصة تروي  لنا ايضا إنه المسؤولية مش على البيت لحاله. البيت هو خط الدفاع الأول، والمطلوب منه إنه يخلي القرار قرار الطفل مش قرار مفروض عليه، وإنه يفصل بين دوره كأب وأم وبين أي دور تاني زي "مدير أعمال" أو "مصور"، لأنه لما تختلط الأدوار، الطفل بيصير مش متأكد هل أهله موجودين لأجله هو ولا لأجل الصفحة.

المنصات نفسها مسؤولة عن حماية بيانات وخصوصية القاصرين، بس هاي مسؤولية لسا ضعيفة التطبيق بمنطقتنا، وأصلاً مصممة عشان تشجع الاستمرارية بالنشر عبر إشعارات وإحصائيات لحظية، وهاد نفسه ضغط إضافي على أي مستخدم، بالغ كان أو طفل. والقانون، زي ما شفنا، في تحرك بس لسا ناقص نص واضح يحدد شو معنى "تشغيل الطفل رقمياً"، وهاي الفجوة بتحول المسؤولية كلها تقريباً عالبيت لحد ما تتوضح التشريعات.

📖 لو ابنك بيمر بمرحلة مراهقة صعبة عموماً مش بس بموضوع التصوير، اقرأي:
بين لعب الاولاد والجريمة... الصمت الذي يغتال براءة المراهق الذكر

ام وابنها المراهق يتحدثان بثقة وهدوء في غرفة المعيشة


 
الفرق بين الطفل الموهوب والطفل المستغل

الطفل الموهوب بيصور لأنه بيحب الكاميرا والإبداع، وبيقدر يوقف بأي لحظة بدون ما حدا يزعل أو يخسر شيء. الطفل المستغل هو يلي صار التصوير بالنسبة إله التزام، حتى لو ما حدا حكاله هيك بصراحة. سامر كان بالبداية النوع الأول، وبلش يتحول للنوع الثاني بهدوء، بدون ما حدا يلاحظ، لحد ما جارته لفتت نظر أمه.

الفرق بين الاثنين أدق مما نتخيل، وبنكتشفه بس لما نراقب، مش لما ننتظر الطفل يشتكي، لأنه أغلب الأطفال أصلاً ما بيعرفو يعبرو عن هالنوع من التعب.

خاتمة

سامر لسا بيسكر باب غرفته كل يوم بعد المدرسة، ولسا بيحط الموبايل عالحامل الصغير. الفرق إنه هلأ بيصور لأنه هو بده، مش لأنه لازم. وأمه لسا واقفة قريبة منه، بس هلأ بتسمع صوته وبتسأل نفسها سؤال مختلف: هل هو مبسوط فعلاً، ولا بس مكمل؟

مش مطلوب منك تمنعي ابنك من التصوير أو تلغي موهبته لو كانت فعلاً موهبة. المطلوب إنك تكون واعية وحاضرة، تراقبي مشاعره مش بس أرقامه، وتخليه يعرف إنه هو أهم من أي فيديو أو متابع. هاد بالضبط الفرق بين طفل بيلعب بموهبته وطفل تعب من شغله وما حدا سماها هيك.

أسئلة شائعة

هل صناعة المحتوى للأطفال ممنوعة قانونياً بالأردن؟
لا يوجد  حتى هذه اللحظة نص قانوني اردني يحظر صناعة المحتوى للأطفال، بس قانون العمل الأردني يمنع تشغيل أي حدث تحت سن 16 سنة بأي شكل، وقانون حقوق الطفل يلزم الجهات المختصة بحماية الطفل من الاستغلال بكل أشكاله، بما فيها الفضاء الرقمي.

كيف أفرق بين هواية التصوير الصحية والاستغلال؟
الفيصل الوحيد هو الاختيار والالتزام. إذا كان ابنك بيصور لما يجي على بال وعنده القدرة يوقف بأي وقت من غير ضغط، هاي هواية. إذا صار في جدول ثابت وضغط لإنتاج محتوى مستمر، هون بلشت تدخل منطقة الاستغلال.

شو أعمل إذا اكتشفت إنه ابني بيصور محتوى ما بعرف عنه؟
احكي معه بهدوء بدون ما تكوني بموقف اتهامي، اسأليه ليش عندك حاسة إنه لازم يخفيه، وافهمي المحتوى نفسه قبل ما تحكمي.

هل في جهة رسمية بالأردن أقدر أتواصل معها لو حسيت ابني عرضة لاستغلال رقمي؟
فيه المجلس الوطني لشؤون الأسرة يشرف على لجنة وطنية جديدة مختصة بحماية الأطفال من الفضاء الرقمي، وبتقدري كمان تبلغي عن أي محتوى مسيء عبر إدارة الجرائم الإلكترونية.

شو أعمل بالدخل المالي إذا كان ابني فعلاً عنده صفحة بتربح؟
الأفضل تحطي الدخل بحساب توفير باسم ابنك بدل ما يصير مصروف يومي، وتخليه يفهم إنه هاد مكافأة على موهبته مش التزام مالي لازم يستمر فيه.


تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير