banner
أخبار محلية
banner

العالم يعود إلى الغاز الطبيعي رغم تعهدات التحول للطاقة النظيفة

{clean_title}
جهينة نيوز - سعد: فجوة تنفيذية بين ما هو مرغوب سياسيًا وما هو ممكن اقتصاديًا بلاسمة: بعض الدول ترفع راية الطاقة النظيفة نهارًا ويعود إلى الغاز ليلًا

ميناس بني ياسين
في القاعات المضيئة لمؤتمرات المناخ، يتحدث العالم عن إنقاذ الكوكب، وعن الحياد الكربوني، وعن مستقبلٍ أخضر أقل تلوثًا وأكثر عدالة؛ تُرفع الشعارات، تُوقَّع التعهدات، وتُلتقط الصور تحت عناوين كبرى تقول إن البشرية تسير نحو نهاية عصر الوقود الأحفوري. لكن بعيدًا عن المنصات، وفي الغرف المغلقة، وفي قلب الأزمات والحروب وموجات الحر وانفجار الطلب على الكهرباء يعود الغاز الطبيعي إلى الواجهة بهدوءٍ ثقيل.
العالم الذي وعد بالتخلّص من الوقود الأحفوري، يبني اليوم مرافئ غاز جديدة، ويوقّع عقودًا طويلة الأجل، ويوسّع بنيته التحتية الطاقية خوفًا من انقطاع الكهرباء، وغضب الشارع، واهتزاز الاقتصاد.
هنا تحديدًا تظهر واحدة من أخطر فجوات العصر الحديث: الفجوة بين الخطاب المناخي والواقع الطاقي.
فهل بعض دول العالم منافقة مناخيًا؟ أم أن الحقيقة أكثر قسوة مما تقوله الشعارات؟ وهل تحوّل "الانتقال الأخضر" إلى خطاب سياسي مثالي يصطدم كل مرة بحسابات الأمن القومي والاقتصاد؟ والأخطر هل تدفع الدول الفقيرة ثمن قرارات تتخذها "الغنية" لحماية نفسها طاقيًا واقتصاديًا؟

في هذا التقرير تفتح "الأنباط" ملف العودة الصامتة للغاز الطبيعي، وتحاول تفكيك التناقض العالمي بين وعود المناخ وضرورات الطاقة، في عالمٍ يبدو أنه لا يستطيع حتى الآن العيش دون الوقود الذي يقول إنه يريد التخلّص منه.

الفجوة بين الخطاب المناخي والواقع الطاقي
وفي هذا السياق قال خبير الطاقة فراس بلاسمة إن الخطاب الرسمي العالمي يقول: "نحن نتجه إلى الطاقة النظيفة”، لكن الواقع يرد بوضوح: "ما زلنا غير قادرين على العيش دون الغاز”، موضحًا أن هذه الفجوة تظهر بوضوح عندما تواجه الحكومات أزمات كهرباء أو اضطرابات جيوسياسية أو موجات حر أو مخاطر تهدد أمن الإمدادات.
وأضاف أن العالم، وبعد سنوات من الوعود الكبرى حول إغلاق الفحم وتقليل النفط وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، عاد ليمنح الغاز الطبيعي دورًا محوريًا باعتباره صمام أمان سياسيًا واقتصاديًا وكهربائيًا، مشيرًا إلى أن الغاز لم يعد مجرد "وقود انتقالي” في طريقه إلى الخروج، بل أصبح جزءًا رئيسيًا من الحسابات الاستراتيجية للدول.
وبيّن أن وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن الطلب العالمي على الغاز الطبيعي عاد إلى النمو الهيكلي خلال 2024 بنسبة 2.7%، نحو 115 مليار متر مكعب، مع أكثر من ثلاثة أرباع النمو قادمًا من الاقتصادات الناشئة والنامية.

خلف اللغة الخضراء الناعمة
وأضاف أن أوروبا كانت من أكثر المناطق حديثًا عن الانتقال المناخي، وجدت نفسها فجأة أمام اسئلة "من أين تأتي الكهرباء؟ ومن أين يأتي الغاز؟ وكيف تبقى المصانع تعمل؟ وكيف يبقى المواطن دافئًا؟ وكيف لا تتحول فاتورة الطاقة إلى أزمة سياسية داخلية؟" عند تلك اللحظة، تراجعت البلاغة المناخية خطوة، وتقدم أمن الطاقة عشر خطوات ولم تكن الحرب وحدها السبب؛ فموجات الحر العالمية رفعت الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد وتوسع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي خلق طلبًا جديدًا كثيفًا ومستمرًا على الطاقة.
وتابع أن وكالة الطاقة الدولية ترى أن الكهرباء تلعب دورًا متزايدًا في تلبية الطلب العالمي على الطاقة، وأن ذروة الطلب الكهربائي قد ترتفع بنحو 40% بحلول 2035 في سيناريو السياسات الحالية، مدفوعة بشكل كبير بالتبريد، مع مساهمة مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي بجزء متزايد من نمو الطلب، خصوصًا في الولايات المتحدة.
وأوضح، "الشبكات الكهربائية لا تتحرك بسرعة الشعارات، والتخزين لا يزال أقل من الحاجة والبطاريات لم تصل بعد إلى المستوى الذي يسمح بإدارة اقتصادات كبرى كاملة على الطاقة المتقطعة وحدها لذلك عاد الغاز لأنه أكثر مرونة من الفحم وقادر على دعم الشبكات عند غياب الشمس والرياح ولأنه يحمي الحكومات من أسوأ كوابيسها وهي انقطاع الكهرباء، ارتفاع الأسعار، غضب الشارع، وتراجع الصناعة.

السؤال الأخلاقي: هل العالم منافق مناخيًا؟
وأشار بلاسمة إلى أن أوروبا التي كانت من أكثر المناطق حديثًا عن التحول الأخضر، وجدت نفسها فجأة أمام أسئلة أكثر إلحاحًا: من أين تأتي الكهرباء؟ وكيف تبقى المصانع تعمل؟ وكيف لا تتحول فاتورة الطاقة إلى أزمة سياسية داخلية؟
وأكد أن الحرب الروسية الأوكرانية شكّلت نقطة تحول كبرى، دفعت الحكومات إلى إعادة ترتيب أولوياتها، حيث تراجع الخطاب المناخي خطوة، وتقدم أمن الطاقة عشرة، موضحًا أن الأزمة لم تكن مرتبطة بالحرب وحدها، بل أيضًا بموجات الحر التي رفعت الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد، إضافة إلى التوسع الهائل في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، الذي خلق طلبًا كثيفًا ومستمرًا على الطاقة.
وأوضح أن العالم يريد في الوقت نفسه سيارات كهربائية، وصناعة رقمية، وذكاءً اصطناعيًا، ومدنًا أكثر تبريدًا، لكنه يريد أيضًا تقليل الوقود الأحفوري بسرعة.
وحسب تعبيره: "أي خطاب عالمي هذا الذي يتحدث عن نهاية عصر الوقود الأحفوري بينما يتم في الوقت نفسه بناء مرافئ غاز، وتوسيع عقود توريد، ورفع استثمارات البنية التحتية، وتأمين ممرات بحرية للطاقة؟ الحقيقة أن العالم لا يتوقف عن الوقود الأحفوري لأنه لا يستطيع التوقف دون كلفة هائلة والحكومات تخاف من الانهيار الاقتصادي أكثر من البيانات المناخية، تخاف من غضب المواطنين بسبب فواتير الكهرباء أكثر من خطابات المؤتمرات، وتخاف من خسارة النفوذ العالمي أكثر من تناقضها الأخلاقي.

من مرحلة انتقالية لـ غطاء لاستثمارات طويلة
وأشار بلاسمة إلى أن العالم يعاني من "فجوة صدق”، موضحًا أنه إذا كان الغاز ضرورة فعلية في هذه المرحلة، فيجب الاعتراف بذلك بوضوح، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بطء التحول الأخضر والحاجة إلى شبكات كهربائية وتخزين وبنية تحتية قادرة على دعم الطاقة المتجددة.
وأكد أن المشكلة ليست في الطاقة النظيفة نفسها، بل في تحويلها إلى خطاب مثالي يُفرض على الدول الأضعف، بينما تحتفظ "الأقوى" بحق الاستثناء عندما تتعارض البيئة مع أمنها القومي.
وقال إن الغاز ليس "شيطانًا مطلقًا”، لكن التحول الطاقي ليس مجرد مؤتمر أو شعارات، بل عملية طويلة ومعقدة ترتبط بالاقتصاد والسيادة والتكنولوجيا والتمويل والبنية التحتية.
وأكد أن المشكلة ليست في الطاقة النظيفة إنما هي ضرورة تاريخية واستراتيجية لكن المشكلة في تحويلها إلى خطاب وعظي يُفرض على الدول الأضعف، بينما تحتفظ الدول الأقوى بحق الاستثناء كلما تعارض المناخ مع أمنها القومي لذلك، يحتاج العالم إلى صدق طاقي جديد، وصدق يعترف بأن الانتقال لا يعني إطفاء الحاضر قبل بناء البديل.
 
الفجوة بين الخطاب المناخي والواقع الطاقي

وعلى الضفة المقابلة أكد خبير الاستدامة والتغير المناخي عماد سعد أن إحدى أبرز سمات المشهد المناخي العالمي اليوم تتمثل في الفجوة بين الطموحات المعلنة والواقع العملي، موضحًا أن الاقتصاد العالمي بُني خلال أكثر من قرن على النفط والغاز والفحم، بينما لا يزال عمر التحول المنظم نحو الطاقة النظيفة قصيرًا نسبيًا.
وأضاف أن الحكومات تواجه معضلة حقيقية تتمثل في التوازن بين أمن الطاقة واستدامة البيئة وتكلفة الطاقة، لذلك تميل خلال الأزمات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الإمدادات حتى لو جاء ذلك على حساب بعض الالتزامات المناخية المؤقتة.
وأشار إلى أن العالم لا يعاني من أزمة طموح مناخي بقدر ما يعاني من فجوة تنفيذية بين ما هو مرغوب سياسيًا وما هو ممكن اقتصاديًا وتقنيًا.
وأوضح سعد أن العودة للغاز الطبيعي تعتمد على كيفية استخدامه وعلى الإطار الزمني الذي يُنظر إليه من خلاله فمن الناحية التقنية، ويُعد الغاز أقل مصادر الوقود الأحفوري إصدارًا للانبعاثات مقارنة بالفحم والنفط، ولذلك استخدمته عدة دول باعتباره "وقودًا انتقاليًا" يساعد على خفض الانبعاثات تدريجيًا أثناء بناء منظومات الطاقة المتجددة.
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الغاز من وسيلة انتقالية إلى خيار استراتيجي طويل الأمد فبناء خطوط الأنابيب ومحطات التسييل والاستيراد يتطلب استثمارات ضخمة تستمر لعقود، ما قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ"حبس الكربون" أو Carbon Lock-in، أي استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري بسبب الاستثمارات القائمة.
لذلك يمكن النظر إلى الغاز الطبيعي باعتباره حلًا اضطراريًا ومقبولًا مناخيًا إذا كان جزءًا من خطة واضحة ومحددة زمنيًا للتحول نحو مصادر أكثر استدامة أما إذا أصبح بديلًا دائمًا للطاقة النظيفة أو مبررًا لتأجيل الاستثمارات الخضراء، فإنه يتحول عمليًا إلى تراجع عن المسار المناخي الذي التزمت به الدول.

العالم غير جاهز للاعتماد على الطاقة المتجددة
وتابع أنه من الناحية الواقعية فإن العالم لم يصل بعد إلى مرحلة الاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة، ليس بسبب قصور في مصادر الطاقة المتجددة نفسها، بل بسبب محدودية الأنظمة الداعمة لها.
فالطاقة الشمسية وطاقة الرياح أصبحت من أرخص مصادر إنتاج الكهرباء في كثير من مناطق العالم، كما أن التطورات التقنية رفعت كفاءتها بصورة كبيرة لكن التحدي الأساسي يكمن في طبيعتها المتغيرة؛ فالشمس لا تشرق ليلًا، والرياح لا تهب باستمرار، بينما يحتاج المستهلكون إلى الكهرباء على مدار الساعة.
هنا تظهر أهمية تقنيات التخزين، وخاصة البطاريات واسعة النطاق، إضافة إلى تقنيات الهيدروجين الأخضر والتخزين الحراري وغيرها ورغم التقدم السريع في هذا المجال، إلا أن القدرات الحالية لا تزال أقل من حجم الطلب المتوقع في المستقبل.

الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع الطلب على الكهرباء
وأكد سعد أن الحرب الروسية الأوكرانية شكّلت نقطة تحول استراتيجية في سياسات الطاقة العالمية، إذ أدركت الدول الأوروبية أن الاعتماد المفرط على مصدر واحد للطاقة قد يتحول إلى نقطة ضعف جيوسياسية خطيرة.
وأضاف أن تراجع إمدادات الغاز الروسي دفع الحكومات للبحث عن بدائل سريعة وموثوقة، تمثلت بالغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة وقطر ودول أخرى، ما أدى إلى موجة استثمارات جديدة في البنية التحتية للغاز.
وأشار إلى أن العالم يشهد أيضًا ارتفاعًا غير مسبوق في الطلب على الكهرباء، خصوصًا مع توسع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة تعمل على مدار الساعة.
وبالتالي وجد صناع القرار أنفسهم أمام معادلة صعبة: الطلب يرتفع بسرعة أكبر من قدرة مشاريع الطاقة النظيفة على مواكبته، فكان الغاز الخيار الأسرع لسد الفجوة وضمان استقرار الشبكات الكهربائية.

الدول الفقيرة مناخيًا ستدفع الثمن لقرارات "الكبرى"
وبيّن أن ما تشير إليه معظم الأدلة الاقتصادية والمناخية أن الدول الأقل مساهمة في الانبعاثات العالمية هي غالبًا الأكثر تعرضًا لمخاطر تغير المناخ والأقل قدرة على التكيف معها؛ فعندما ترتفع أسعار الغاز أو النفط نتيجة قرارات أو صراعات دولية، تتأثر الاقتصادات النامية بصورة مباشرة من خلال ارتفاع تكاليف الكهرباء والنقل والغذاء، كما أنها تواجه صعوبات أكبر في تمويل مشاريع الطاقة المتجددة أو تحديث بنيتها التحتية، إضافة إلى موجات الجفاف والفيضانات وارتفاع الحرارة؛ ولهذا السبب أصبحت قضية العدالة المناخية عنصرًا أساسيًا في المفاوضات الدولية، فالدول النامية تطالب ليس فقط بخفض الانبعاثات، بل بتمويل التكيف والخسائر والأضرار ونقل التكنولوجيا، باعتبار أن المسؤولية التاريخية عن التغير المناخي تقع بالدرجة الأولى على الاقتصادات الصناعية الكبرى.

إدارة مؤقتة لأزمة طاقة أم بداية تغير بمسار التحول الأخضر؟
وأكد سعد أن ما نشهده هو إعادة ضبط لمسار التحول الأخضر أكثر منه تراجعًا عنه ففي السنوات الماضية ساد اعتقاد لدى بعض الدوائر السياسية بأن الانتقال إلى الطاقة النظيفة يمكن أن يتم بسرعة كبيرة نسبيًا، لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن الواقع أكثر تعقيدًا.
وكشفت الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية أن أمن الطاقة سيبقى أولوية وطنية عليا لدى جميع الدول تقريبًا وهذا لا يعني التخلي عن الأهداف المناخية ولكن العالم انتقل من مرحلة "التحول الأخضر المثالي" إلى مرحلة "التحول الأخضر الواقعي"، ومن المرجح أن يؤدي هذا التوجه إلى تباطؤ بعض المسارات قصيرة الأجل، لكنه قد يجعل التحول أكثر استدامة وواقعية على المدى الطويل.

تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير