2026-06-03 - الأربعاء
banner
كتّاب جهينة
banner

إيران في مواجهة الاستنزاف (3): الجبهة الداخلية بين الاحتواء الأمني ومتطلبات الصمود

{clean_title}
جهينة نيوز -
محسن الشوبكي
في الحروب الطويلة والأزمات الممتدة، لا تُحسم المعارك فقط في جبهات المواجهة المباشرة، بل في مدى قدرة الدولة على منع تسرب الضغوط الخارجية إلى جبهتها الداخلية. وفي الحالة الإيرانية، يبدو هذا التحدي مضاعفاً بسبب التداخل المعقد بين الأزمات الأمنية، الاقتصادية، والاجتماعية. ولم تعد الأجهزة الأمنية في طهران تنظر إلى الداخل بوصفه مساحة جغرافية مستقرة، بل كأحد الميادين الرئيسية للصراع، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الخصوم يتربصون بانتظام بالثغرات المحلية لإضعاف الموقف الإقليمي للدولة. ونتيجة لذلك، توسعت أدوات المراقبة والرصد الاستباقي لتصبح عقيدة عمل يومية تهدف إلى خنق أي توتر سياسي أو مطلبي في مهده.
ومع ذلك، يظل الاقتصاد هو الخصم الأشرس للمقاربة الأمنية، إذ تمثل الظروف المعيشية المحدد الأول للمزاج العام. وتتجلى هذه المعضلة في التباين الواضح بين السردية الرسمية التي تسوق مفهوم "اقتصاد المقاومة" وتطالب الشارع بتحمل تبعات العقوبات الدولية كضريبة للمواجهة، وبين واقع يراه المنتقدون نتاجاً لتزاوج كارثي بين الحصار الخارجي وسوء الإدارة البنيوي. ويتجلى هذا الضغط بوضوح في أزمات التضخم المتلاحقة وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية (الريال)، مما يضعف قدرة الطبقات الوسطى والفقيرة على الصمود، ويجعل من الأعباء المعيشية وقوداً جاهزاً للاشتعال الاجتماعي في أي لحظة.
هذا الضغط المعيشي يتزامن مع تحولات ديموغرافية وثقافية عميقة أفرزت شرائح شبابية جديدة تمتلك أولويات وتطلعات تختلف جذرياً عن الجيل الأول للثورة. ولم يعد مفهوم السيطرة التقليدية على الفضاء العام مجدياً في ظل الطفرة الرقمية التي سحبت من الدولة ميزة احتكار الرواية؛ إذ تلاشت الحدود بين الأمن المادي والأمن السيبراني، وباتت منصات التواصل الاجتماعي—رغم محاولات الحجب والتقييد الصارمة—هي الشارع الحقيقي البديل الذي تولد فيه حركات الاحتجاج، وتدار من خلاله النقاشات العامة، مثلما أظهرت التحركات الشعبية الواسعة في السنوات الأخيرة والتي اتخذت من الفضاء الرقمي منطلقاً للتعبئة والانتشار.
إن نجاح أو إخفاق استراتيجية الاستنزاف ضد إيران لن يتحدد فقط بطبيعة الرد العسكري خارج الحدود، بل بقدرة النظام على صيانة توازن دقيق وحرج بين متطلبات الأمن القومي وااحتياجات المجتمع الحياتية. غير أن هذا التوازن لا يتوقف عند حدود رغيف الخبز أو لجم الاحتجاجات المدنية في الحواضر الكبرى، بل يمتد إلى الخاصرة الأكثر حساسية في الحسابات الإيرانية، والمتمثلة في كيفية إدارة التنوع القومي والعرقي في مناطق الأطراف—مثل سيستان وبلوشستان وكردستان إيران والأهواز—حيث تسعى البيئة الإقليمية الملتهبة باستمرار لاستثمار هذه التصدعات العرقية وتحويلها إلى نقاط استنزاف داخلي موازٍ للاستنزاف الخارجي.

ملاحظة : المقال ( ٣ من ٧) من سلسلة مقالات
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير