banner
مقالات مختارة
banner

دفن أوسلو وإعلان المرحلة الجديدة للمشروع الصهيوني

{clean_title}
جهينة نيوز -
بقلم: فايز محمّد أبو شمّالة
 
في خطوة تعكس التحولات العميقة داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي، تداولت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن عضو الكنيست من التيار اليميني المتطرف ليمور سون هار-ميلخ تقدمت بمشروع قانون يدعو إلى إلغاء اتفاق أوسلو، معتبرة أن الاتفاق "عمّق الصراع بدل أن يحله”، وأنه "شكّل خطأً تاريخيًا وأمنيًا” بالنسبة لـ«إسرائيل». وقد وصل المشروع الأسبوع الماضي إلى اللجنة الوزارية للتشريع، قبل أن يطلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأجيل مناقشته، في خطوة تعكس حساسية الملف سياسيًا ودوليًا، لكنها في الوقت ذاته تكشف أن فكرة دفن أوسلو لم تعد مجرد شعار هامشي داخل أوساط المستوطنين واليمين المتطرف، بل أصبحت جزءًا من النقاش الرسمي داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.
ورغم أن الدعوات إلى إسقاط أوسلو ليست جديدة داخل معسكر اليمين الإسرائيلي، فإن طرحها اليوم في إطار تشريعي ورسمي يحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، لأنه يعكس انتقال المشروع الصهيوني من مرحلة التملص العملي من الاتفاق إلى مرحلة السعي لإلغائه رسميًا وإعلان موته السياسي والقانوني بصورة نهائية.
وقبل الدخول في دلالات هذا المشروع، لا بد من التأكيد أن حديثي عن خطورة إلغاء اتفاق أوسلو لا يعني الدفاع عن الاتفاق ذاته ، ولا تجاهل ما انطوى عليه منذ البداية من اختلالات عميقة. فقد كان أوسلو، في نظر قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، اتفاق ناقص ومجحف حول الصراع وبسبب اختلال موازين القوى من إطار التحرر الوطني الشامل إلى المسار التفاوضي غير المتكافئ، بحيث تُمسك دولة الاحتلال بمعظم مفاتيحه السياسية والأمنية والاقتصادية. لكن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين نقد الاتفاق من الموقع الوطني الفلسطيني، وبين إلغائه إسرائيليًا من الموقع الصهيوني الذي يسعى إلى شطب ما تبقى من أي اعتراف سياسي بالشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة .
لقد وُقّع اتفاق أوسلو عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي برعاية أمريكية، باعتباره اعلان مبادىْ و إطارا مرحليا لتنظيم العلاقة السياسية والأمنية بين الطرفين، وكمقدمة يفترض أن تقود خلال خمس سنوات إلى إقامة الدولة الفلسطينية وتسوية نهائية تشمل قضايا القدس واللاجئين والحدود والاستيطان. وبموجب هذا الاتفاق نشأت "السلطة الوطنية الفلسطينية” بوصفها سلطة حكم ذاتي انتقالي في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما احتفظ الاحتلال الإسرائيلي بالسيطرة الأمنية والعسكرية الشاملة على الأرض والمعابر والحدود والموارد.
ورغم التحفظات الفلسطينية الواسعة على الاتفاق منذ توقيعه، وما وُجه إليه من انتقادات ، فإن الاتفاق بقي طوال العقود الثلاثة الماضية الإطار السياسي والقانوني الذي حكم العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. كما مثّل، من الناحية السياسية، اعترافا إسرائيليا بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا للشعب الفلسطيني، وفتح الباب – نظريا على الأقل – أمام إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية نهائية.
لكن ما جرى على الأرض كان مختلفا تماما. فقد استخدمت «إسرائيل» أوسلو لإدارة الاحتلال لا لإنهائه، ولتنظيم السيطرة لا لتفكيكها. فالاستيطان توسع بصورة غير مسبوقة، والقدس جرى عزلها وتهويدها تدريجيا، والضفة الغربية تحولت إلى جزر معزولة وممزقة، فيما حُصرت السلطة الفلسطينية في حدود الوظيفة الأمنية والإدارية، دون سيادة حقيقية أو قدرة فعلية على التحكم بالأرض أو الحدود أو الموارد.
كما أعادت أوسلو تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، وغيرت طبيعة الصراع من صراع تحرر وطني إلى مسار يقوم على فكرة "إدارة الصراع” وتأجيل الحل النهائي. مما يعني التعايش مع الاحتلال لكن المفارقة الكبرى أن الاحتلال نفسه تجاوز أوسلو عمليًا منذ سنوات طويلة، حتى دون إعلان رسمي بإلغائه.
فالاحتلال أعاد اجتياح مدن الضفة الغربية منذ عام 2002، ووسع الاستيطان بصورة متسارعة، وفرض وقائع ميدانية نسفت فعليا فكرة الدولة الفلسطينية. كما أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعاملت مع السلطة الفلسطينية باعتبارها أداة أمنية وإدارية محدودة الصلاحيات، لا شريكا سياسيا في مشروع تسوية حقيقية. وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن تكون المرحلة الانتقالية مدتها خمس سنوات فقط، تحولت إلى وضع دائم امتد أكثر من ثلاثة عقود دون أي أفق سياسي حقيقي.
واليوم يتحكم الاحتلال الإسرائيلي بالحدود والمعابر والسماء والمياه والاقتصاد الفلسطيني، ويقتحم المدن الفلسطينية متى شاء، وينفذ الاعتقالات والاغتيالات والحصار، ويواصل توسيع المستوطنات بوتيرة غير مسبوقة وبالتالي، فإن إلغاء أوسلو رسميًا لن يكون في جانب كبير منه سوى تثبيت قانوني وسياسي لواقع قائم بالفعل على الأرض.
وفي القانون الدولي، لا يجوز لأي طرف في اتفاقية أن يتمسك بحقوق الاتفاق بينما ينقض التزاماته الجوهرية فيها بصورة مستمرة. والاحتلال الإسرائيلي، عبر التوسع الاستيطاني، وتقويض المرحلة الانتقالية، وإعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية، ومنع قيام الدولة الفلسطينية، كان قد أفرغ اتفاق أوسلو من مضمونه الفعلي قبل سنوات طويلة من أي محاولة لإلغائه رسميا.
وقد غبرت شخصيات وقيادات فلسطينية عديدة عن هذه الحقيقة ومن بيها الدكتور مصطفى البرغوثي الذي أشار في أكثر من مناسبة، الى أن الاحتلال الإسرائيلي استخدم أوسلو غطاءً لتوسيع الاستيطان وتعميق السيطرة على الأرض الفلسطينية، بدل أن يكون مدخلا لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. كما أكد أن «إسرائيل» انتقلت من تعطيل حل الدولتين إلى تدميره بصورة نهائية، وهو توصيف ينسجم مع طبيعة التحولات التي يشهدها اليمين الإسرائيلي اليوم.
فالسؤال الأهم هنا ليس فقط: هل ستلغي «إسرائيل» أوسلو رسميًا؟
بل: لماذا يريد اليمين الإسرائيلي اليوم دفن الاتفاق نهائيًا؟
الجواب يكمن في طبيعة التحول الأيديولوجي الذي شهدته «إسرائيل» خلال العقود الأخيرة. فاليمين الإسرائيلي الحالي لم يعد ينظر إلى الضفة الغربية باعتبارها "أراضي متنازعً عليها”، بل يعتبرها جزءًا من "أرض إسرائيل التاريخية”، ويرى أن أي اعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية يمثل خطرًا استراتيجيًا على المشروع الصهيوني نفسه.
ولهذا، فإن أوسلو بالنسبة لهذا التيار لم يعد مجرد اتفاق فاشل، بل "خطيئة سياسية” يجب التخلص منها بالكامل، لأنه – من وجهة نظرهم – منح الفلسطينيين اعترافا سياسيا وكيانية وطنية ووجودا إداريا على الأرض، حتى وإن كان محدودا وخاضعًا للسيطرة الإسرائيلية
لقد انتقل اليمين الإسرائيلي من سياسة "إدارة الصراع” إلى سياسة "حسم الصراع”. ففي السابق، كانت الحكومات الإسرائيلية تحاول إبقاء القضية الفلسطينية في حالة تجميد طويل، دون حل نهائي ودون انفجار شامل، مع الحفاظ على التنسيق الأمني واستمرار السلطة الفلسطينية كإدارة مدنية محدودة. أما اليوم، فإن التيار المسيطر داخل «إسرائيل» بات يرى أن اللحظة مواتية لفرض الوقائع النهائية على الأرض، مستفيدًا من الانقسام الفلسطيني، والتحولات الإقليمية، وتصاعد قوة اليمين الديني والقومي المتطرف داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
 
ومن أخطر ما في هذا التحول أنه لا يستهدف فقط الأرض الفلسطينية، بل يستهدف أيضًا إعادة تعريف القضية الفلسطينية ذاتها. فبدل التعامل معها باعتبارها قضية شعب تحت الاحتلال يملك حق تقرير المصير، يجري تحويلها تدريجيًا إلى مجرد "مشكلة أمنية” أو "قضية سكان” يمكن إدارتها بالقوة والسيطرة العسكرية.
ومن الخطأ قراءة مشروع إلغاء أوسلو بمعزل عن حرب الإبادة الجارية على الشعب الفلسطيني، في قطاع غزة والضفة العربية وعن الصعود غير المسبوق لليمين الديني والقومي المتطرف داخل دولة الاحتلال. فهذه القوى لا ترى في الفلسطينيين شعبًا صاحب حق، بل عقبة ديمغرافية وسياسية ينبغي إخضاعها أو محاصرتها أو دفعها نحو التهجير. ولذلك فإن دفن أوسلو يتكامل مع مشروع أوسع يقوم على الضم، وتهويد القدس، وتوسيع الاستيطان، وتفكيك المجتمع الفلسطيني، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى جهاز إداري وأمني يعمل في خدمة الاحتلال .
وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بفشل اتفاق أوسلو أو موته، بل بطبيعة البديل الذي تسعى «إسرائيل» إلى فرضه بعد دفنه. فالبديل المطروح ليس تسوية أفضل، ولا صيغة سياسية أكثر عدلًا، بل مشروع صهيوني أكثر وضوحا وتطرفا يقوم على الضم والسيطرة الدائمة ومنع قيام أي كيان فلسطيني مستقل.
ولهذا، فإن كثيرين يرون اليوم أن أوسلو مات فعليا منذ سنوات طويلة، وأن الاحتلال الإسرائيلي هو الذي قنله عمليا عبر سياساته اليومية على الأرض. غير أن ما يفعله اليمين الإسرائيلي الآن هو محاولة إعلان الوفاة رسميًا، ودفنه ووضع شاهد القبر القانوني والسياسي على اتفاق انتهى مضمونه منذ زمن.
لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن الاتفاقات لا تموت فقط بقرار من طرف واحد، بل تموت عندما تسقط الأسس التي قامت عليها. وأوسلو سقط يوم تحولت الدولة الفلسطينية الموعودة إلى كانتونات محاصرة، ويوم أصبح الاستيطان هو المشروع الحقيقي الذي يحكم السياسة الإسرائيلية.
لذلك، فإن الرد الفلسطيني على هذا التحول لا يكون بالبكاء على أوسلو أو الدفاع عن اتفاق أثبتت التجربة عجزه واختلاله، بل بإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وبناء استراتيجية وطنية فلسطينية للتحرير تقوم على التحرر من أوهام التسوية العقيمة، واستعادة وحدة الشعب الفلسطيني، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية بوصفها الوطن المعنوي والإطار الوطني الجامع للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم ، وبناء رؤية وطنية موحدة تنطلق من اعتبار القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني في مواجهة مشروع استعماري استيطاني إحلالي، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة هذا المشروع بكافة أشكال المقاومة التي كفلتها الشرائع الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
 
فإذا كانت «إسرائيل» تعلن اليوم دفن أوسلو، فإن المطلوب فلسطينيًا ليس إنقاذ الجثة، بل إعلان نهاية المرحلة التي قيّدت المشروع الوطني الفلسطيني، وفتحت الباب أمام تآكل الهوية الكفاحية الجامعة، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية كاملة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وحق العودة، وإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل سيلغي اليمين الإسرائيلي اتفاق أوسلوأم لا ؟
بل: ماذا بعد أوسلو؟
وهل يمتلك الفلسطينيون القدرة على تحويل دفن أوسلو إلى فرصة لدفن أوهام المرحلة السابقة، وبناء المشروع الوطني الفلسطيني الذي يواجه المشروع الصهيوني في صورته العارية، بلا أقنعة تفاوضية ولا أوهام سلام زائف؟

تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير