جمالية الشكل والمضمون في "كويت بغداد عمان" للروائي أسيد الحوتري
بقلم: رائد محمد الحواري
عندما تقترن فنية التقديم مع جمالية/ فائدة المضمون، فهذا مؤشر على إبداع السارد، وقدرته على توظيف أدوات الرواية في تقديم ما يخدم المعرفة والفائدة للقارئ، وهذا ما يجعله يحصل على فائدتين، رفع الذائقة الأدبية فيه، وتقديمه من معلومات/ أحداث تقربه من الحقيقة، وهذا ما يعطي الأدب عامة، والرواية خاصة أفضلية على كتب التاريخ، أو التقرير الصحفية/ السياسية.
فنية التقديم
يفتتح السارد الرواية بالحديث عن حادث أطلاق نار تعرض له هو طفل، مما جعله (يخرج) من الواقع إلى عالم الخيال، إلى الفانتازيا: "فرأى انعكاس أضواء مصابيح الطريق على رصاصات كانت متجه نحوه، وهنا غاب النور، واكتسى المشهد بالسواد، وفتحت الستارة، وبدأت تعرض أمام عيني هذا الغلام قصة حياته، رواية من ثلاثة فصول" ص14، بهذا الطريقة المجنونة افتتح السارد الخارجي الرواية، ليترك المجال بعدها أمام "سعيد حازم البحتري" ليروي لنا أحداث الرواية، وما جرى معه بعد إصابته بالرصاص: "أتقهقر مصدوما مرعوبا، تختفي الروح فجأة، ثم تظهر من خلفي وتخور بقوة محاولة دفعي إلى داخل الرواية التي بين يدي، دخان أبيض كثيف مشبع بعبق من الماضي، تسقط الرواية أرضا...من بين صفحات الرواية المفتوحة على مصرعيها والملقاة على الأرض يتجلى ثقب أسود" ص17، نلاحظ التكامل بين افتتاحية السارد العليم/ الخارجي وأنا السارد، وهذه الفنية تحسب للرواية التي بدأت وانتهت بسرد خارجي/ عليم، فرغم صغر المساحة التي منحها لنفسه، إلا أنها أعطت الرواية جمالية تجذب المتلقي، وتعرفه بجمالية التقديم، وفنية تقديم السارد وانسحابه.
ومن جمالية التقديم كسر وتيرة السرد في مواضع محددة: "هل تعيشون معي أحداث هذه القصة؟ أم تستمعون كمن يستمع إلى نشر الأخبار؟ هذه القصة التي أرويها لكم لن تجدوها في كتب المدرسة، فهذه ممنوعة من النشر، لأنها تتحدث عنه النصر، والنصر خطيئة عند القيادات المهزومة" ص138، فهنا أراد السارد جذب انتباه المتلقي لما يريد تقديمه، فبعد هذا (الخروج عن السرد الروائي) أخذ يتحدث عن بطولة الجيش العراقي في فلسطين إبان حرب ال48 وكيف استطاع القائد العراقي "عمر علي" تحرير مدينة جنين من الصهاينة، حيث تم قتل ابنة ديفيد بن غورين أول رئيس وزراء في دولة الاحتلال، ورفض تسليم جثتها إلا بعد أن قام بن غورين نفسه بالركوع أمام جنود الجيش العراقي، كما توقف عند وصوله إلى تل الربيع (تل أبيب) وتحريره مدينة حيفا، لكن القيادة السياسية في العراق، حكومة "نوري السعيد" والوصي على العرش "عبد الإله" استدعت "عمر علي" إلى العراق وتم محاكمته بتهمة التمرد على أوامر قيادة الجيش، وعدم الالتزام بالتعليمات العسكرية، بمعنى أن السارد لم يقدم على كسر وتيرة السرد إلا في المواضع المهمة، المفاصل الحيوية في تاريخ المنطقة، حيث أراد تأكيد أن الجندي العربي قادر على تحقيق المعجزات العسكرية، لكن تخاذل وتآمر القيادات السياسية أمات تلك الإنجازات والبطولات، وجعل العدو يتحكم ويسيطر على مقدرات الوطن، وجعلت الشعب يعيش حالة الانهزام والانكسار.
علاقة السارد بالكاتب
نلاحظ تقارب اسم بطل الرواية "سعيد البحتري" واسم الكاتب "أسيد الحوتري" وهذا يشير إلى أن الكاتب أراد تقديم أحداثا، وقائع حصلت معه من خلال عمل روائي، من هنا نجده يتوقف عن بداية دخول الجيش العراقي الكويت وكيف تعرض لإصابته بالرصاص بعدما حاول الهرب، فكان مشروع كتابة الرواية بمثابة (ردة) فعل على دخول الجيش العراقي إلى الكويت: "هل أنا حقا من خط هذا الصفحات؟ وهل يتحتم عليّ إكمال هذا المشروع الأحمق؟... مستحيل طفل في الثانية عشر من عمره يروي لناظر المدرسة تاريخ مطامع العراق بالكويت!" ص114، فإذا علمنا أن الكاتب مولود في الكويت، وأنه خرج من مسقط رأسه بعد أن دخلها الجيش العراقي، نصل إلى أن رواية "كويت بغداد عمان" ما هي إلا محاولة من الكاتب لتدوين فضل الكويت عليه وعلى أسرته والأثر الذي تركته فيه.
ونجد الكاتب (يخرج) عن النص الروائي ويأخذ في تبيان أهمية القراءة في نهاية الرواية، حتى أنه يقدمها كعلاج للعديد من الأمراض: "لكل داء رواية يستطب بها، هل تصدق يا سعيد أن علاج الإنفلونزا الحادة يكمن في قراءة رواية (البؤساء) هل تصدق أنه لعلاج آلام الأسنان يمكنك قراءة رواية (آنا كارنينا)" ص238، فمثل هذه الروايات والمعلومات تقودنا إلى الكاتب نفسه الذي يعشق القراءة والكتابة، فأراد حث المتلقي على القراءة الروائية تحديدا لما لها من دور في تخفيف الضغط عليه، وإخراجه من الواقع البائس.
فالكتابة/ القراءة تعد أحد عناصر الفرح/ التخفيف التي يلجأ إليها الإنسان عندما يتعرض لضغط ما، فوصول "سعيد البحتري" إلى هذه الفكرة يعد أمرا مستحيلا، لأنه طفل، ولم يقرأ بعد مثل هذه الروايات الضخمة والكبيرة، لكن دخول "أسيد الحوتري" إلى النص الروائي جعله يتحدث مباشرة، وبصوته ككاتب روائي عن أهمية قراءة الروايات، فبدا وكأنه يزاحم "سعيد البحتري" على سرد الرواية، ويرد انتزاع البطولة منه، كما انتزع "نوري السعيد" بالبطولة من "عمر علي"فهو القائد الرسمي/ الفعلي للرواية.
طريقة السرد
الرواية تتوقف عند أحداث تاريخية مهمة، من بدايات القرن العشرين ووصول الملك فيصل إلى دمشق بعد أن تم تحرير المشرق العربي من الحكم التركي، وصولا إلى دخول الجيش العراقي الكويت وخروج مئات الألاف من الفلسطينيين منها، بمعنى زمن الأحداث طويل 1920 إلى 1990، وهذا استدعى من السارد استخدام لغة تجذب المتلقي، فكانت اللغة الدينية هي السائدة في السرد الروائي، حيث استخدم السارد التناص القرآني واللغة الدينية في العديد من مواضع الرواية ـ أكثر من عشرين موضعا ـ وهذا جعل اللغة الروائية قريبة من المتلقي: "غدا نأكل مما نزرع، ونتسلح بما نصنع، ولنا مع العدو لقاء هم غربي النهر ونحن شرقيه، وإلى ذلك اليوم فليعمل العاملون" ص63، كما نجده يستخدم الأمثال الشعبية: "وكما يقال "فالج لا تعالج" فلا شفاء من هذا الداء" ص217، هذا عدا وجود العديد من الأغاني الشعبية:
"يا قميرة الدودو الليلة زورينا
طلي على حوشنا، سمعي غناوينا
حنا الورد والريحان، ألف اسم الله علينا
يحرسنا عالي الشان وين ما رحنا وجينا
امطري يا غيوم المحبة فوق أرض الكويت السعيدة
طك يا مطر طك، بيتنا جديد مرزامنا حديد" ص234-235 والاقتباسات الأدبية والفنية والسياسية التي أسهمت في تجميل اللغة الروائية، فكانت لغة السرد (الشعبية) تتماثل مع ثقافة واللغة التي يفهما المتلقي، وهذا ما جعل لغة الرواية قريبة منه وجاذبة له.
الفلسطيني
الفلسطيني كتبت عليه لعنة الترحال والتنقل وعدم الاستقرار، هذا حاله منذ أن وطأت أقدام الإنجليز فلسطين وإلى كتابة هذه السطور، فنجده يتمسك بالمكان ـ رغم خطورة البقاء فيه أو العودة له ـ وتعامل معه على أنه جزء منه، فيبقى متعلقا به ومتمسكا، من هنا نجد بعض الفلسطينيين ما زالوا يحتفظون بمفاتيح بيتهم في فلسطين رغم موت الجد والأب، فالمفاتح بالنسبة لهم وثيقة تثبت ملكيتهم للمكان، كما أنه رمز روحي لهم، يجعل الأمل حاضرا فيهم، من هنا نجد المفتاح وما يحمله من معنى حاضرا في وجدان الفلسطيني: "تذكرت ذلك اليوم الذي قررنا فيه مغادرة الكويت! لم نسلم مفتاح البيت المؤجر، ولم نشحن أثاثنا، بل احتفظنا بالمفتاح لأننا لا محالة عائدون! وعيدنا يوم عودتنا! فيجيب الفلسطيني يعج بالمفاتيح كما يعج قلبه بالأمل!" ص117.
يتوقف السارد عند القائد العراقي "عمر علي" وما تركه الفلسطيني فيه من أثر بقوله: "إن الذي تعلمناه في الكليات العسكرية في سنتين وأكثر تعلمه أهالي منطقة جنين خلال شهرين، وقد أبدعوا في الحرب إبداعا لا مثل له...وأقسم لو أن هذا الشعب يمتلك العدة والعتاد لكان هذا الشعب هو من يستحق أن يحكم الوطن العربي كاملا" ص144، اللافت في هذه الشاهدة من قائد مشهود له بالنزاهة والتضحية والبسالة، تؤكد أن الفلسطيني كان ضحية مؤامرة عالمية شارك فيه العدو والصديق، وإلا ما ضاعت فلسطين، وما ضاعت التضحيات والبطولات التي كان يمكنها أن تزيل دولة الاحتلال والاستعمار الغربي كاملا من وطننا العربي، لقد أوصلتنا خيانة السياسيين ودورهم القذر إلى ما نحن فيه من بؤس وذل وتبعية وقهر.
وعن فلسطينيي الكويت وحالهم يقول "أبو طه الفلسطيني": "إحنا ما خصناش بلي بتسمعوه في الأخبار... إنت عارف من إيمتا إحنا ساكنين هون...وا…












