banner
كتّاب جهينة
banner

ليسوا “واصلين”... بل واصلوا الطريق وحدهم

جهينة نيوز -
د.صالح سليم الحموري
في كل مرة يبرز فيها شاب أردني في جامعة عالمية، أو شركة دولية، أو مركز بحثي مرموق، يتكرر السؤال ذاته بصيغ مختلفة:
"مين وراه؟"
"أكيد مدعوم."
"أكيد عنده واسطة."
وكأننا – من حيث لا نشعر – أصبحنا غير قادرين على تصديق أن الاجتهاد وحده قد يصنع طريقًا.
هذه ليست مشكلة في الشباب… بل في نظرتنا نحن إلى النجاح.
ففي السنوات الأخيرة، خرج من الأردن آلاف الشباب الذين لم يحملوا معهم سوى تعبهم، وسهرهم، وإيمانهم بأن الحياة تستحق المحاولة. شباب حصلوا على منح أكاديمية تنافسية، وعملوا في المطاعم والمكتبات والمختبرات، ونام بعضهم ساعات قليلة ليوفّق بين الدراسة والعمل، ثم أثبتوا أنفسهم في جامعات ومؤسسات لا تعترف إلا بالكفاءة.
لكن هؤلاء لا يظهرون كثيرًا.
لا يملكون جيوشًا إلكترونية، ولا يصرخون كل يوم بما حققوه، ولا يجلسون على المنصات للحديث عن أنفسهم. يمضون بهدوء، ينجزون بصمت، ويتركون أثرهم في المكان الذي يصلون إليه.
وحين تنظر إليهم عن قرب، تكتشف شيئًا مهمًا:
أن كثيرًا منهم ما زال يحتفظ بلهجته الأردنية، وببساطته، وبعلاقته الدافئة مع أهله ومدينته وقريته.
لم يتحولوا إلى نسخ متشابهة من العالم، بل حملوا الأردن معهم… دون استعراض.
بعضهم باحث في الذكاء الاصطناعي، وآخر في الطب، أو الهندسة، أو الاقتصاد، أو السياسات العامة. بعضهم يعمل في شركات عالمية، وآخرون في مختبرات دقيقة أو مؤسسات دولية مرموقة.
لكن القاسم المشترك بينهم ليس فقط النجاح المهني، بل الأخلاق أيضًا.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية.
لأن النجاح الذي يُفقد الإنسان تواضعه ليس نجاحًا كاملًا.
والمعرفة التي تُنتج غرورًا أكثر مما تُنتج أثرًا، تبقى ناقصة.
المؤلم أننا نُسلّط الضوء كثيرًا على النماذج السلبية، وعلى القصص الصاخبة، وعلى كل ما يثير الجدل، بينما تمرّ أمامنا نماذج مشرّفة بصمتٍ يكاد لا يُرى.
شباب يمثلون الأردن بأفضل صورة:
بعقولهم، بأخلاقهم، باحترامهم للآخر، وبقدرتهم على المنافسة دون ضجيج.
وهؤلاء لا يحتاجون إلى تصفيق بقدر ما يحتاجون إلى إنصاف.
نحتاج أن نُعيد تعريف النجاح في وعينا الجمعي.
ليس كل ناجح "واصل”، وليس كل متفوّق ابن امتيازات.
هناك من وصل لأنه تعب فعلًا.
هناك من بنى نفسه من الصفر، ومن قاوم ظروفًا قاسية لا يعرفها أحد.
وفي زمنٍ امتلأ بالمظاهر، ربما أصبح النجاح الهادئ أكثر أشكال النجاح نُبلًا.
الأردن لم يكن يومًا بلد موارد ضخمة، لكنه كان دائمًا بلد إنسان.
وهؤلاء الشباب هم أحد أهم موارد الأردن الحقيقية؛ لأنهم يثبتون كل يوم أن العقل الأردني قادر على المنافسة عالميًا حين تُمنح له الفرصة… أو حين يصنعها بنفسه رغم كل شيء.
وكم أسعدني مؤخرًا أن أشارك أصدقائي فرحتهم بتخرّج أبنائهم؛ الدكتور عمر يوسف العساف، في تخصص دقيق في كهرباء القلب باستخدام الذكاء الاصطناعي من إحدى أهم الجامعات الطبية في سنغافورة، والدكتور عمر رائد قاقيش، الذي نال درجة الدكتوراه في القانون بامتياز من جامعة ماكغيل الكندية العريقة، إحدى أبرز الجامعات في العالم.
الشابان نموذجان عصاميان هادئان. لم يكن طريق العُمرين مفروشًا بالامتيازات، بل بالإصرار والعمل والاجتهاد الصامت. ومثل العُمرين، هناك كثيرون لا نسمع عنهم بما يكفي، رغم أنهم يرفعون اسم الأردن بعلمهم، وأخلاقهم، وتفوّقهم الهادئ.
لهذا، قبل أن نسأل:
"مين وراه؟"
ربما علينا أن نسأل سؤالًا أكثر عدلًا:
"كم تعب حتى وصل؟"
فبعض الناس… لم يجدوا بابًا مفتوحًا،
فبنوا بابهم بأيديهم…
ثم عبروا.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير