مضيق هرمز: صراع فرض الإرادة وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك
جهينة نيوز -محسن الشوبكي
في ظل التصعيد العسكري الأمريكي تجاه إيران، وما رافقه من حصار بحري مشدد على حركة الشحن والطاقة الإيرانية، تبدو طهران متجهة نحو توظيف أوراقها الميدانية لفرض واقع مغاير في مضيق هرمز ومحيطه الجغرافي. ويعكس هذا المشهد المتصاعد صراعاً عميقاً بين الطرفين حول إعادة تشكيل قواعد الاشتباك المرتبطة بحرية الملاحة والسيادة الأمنية على الممرات المائية الدولية، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها أطراف إقليمية ودولية في محاولة لاحتواء احتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
وتشير المعطيات الميدانية إلى ديناميكية معقدة يعيشها المضيق، إذ يبدو أن طهران تتجه نحو فرض آليات تنسيق إلزامية وإجراءات تدقيق أمنية تشرف عليها قوات الحرس الثوري على السفن العابرة، في حين تتحدث تقارير عن احتمال دفع بعض السفن رسوماً مالية مقابل المرور، إلى جانب منح تصاريح العبور بصورة انتقائية لسفن تابعة لدول تعتبرها إيران صديقة أو محايدة، مثل الصين وروسيا والهند، أو لسفن قبلت بالامتثال للشروط والإجراءات الميدانية المفروضة في المنطقة.
وفي المقابل، يظهر الموقف الأمريكي حالة من التباين بين الرفض السياسي المعلن والتحركات الميدانية المضادة؛ فمن الناحية الرسمية، ترفض واشنطن أي إجراءات تعتبرها تقييداً غير قانوني لحرية الملاحة الدولية، وتواصل فرض حصار بحري آحادي الجانب وغير شرعي ،مشدد على الموانئ والشحن الإيراني . وفي هذا السياق، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ عمليات تفتيش لناقلة نفط إيرانية في خليج عُمان، إلى جانب التدقيق في عدد من السفن الإيرانية ومنع محاولات يُعتقد أنها تهدف إلى اختراق الحصار البحري المفروض.
ومع ذلك، فإن السلوك الأمريكي شهد خلال الفترة الأخيرة تراجعاً نسبياً في وتيرة العمليات العسكرية المباشرة المرتبطة بتطبيق الحصار، وهو ما يمكن تفسيره بانه محاولة لخفض مستوى الاحتكاك الميداني واحتواء التصعيد، دون أن يعني ذلك قبولاً بالمطالب الإيرانية أو منحها شرعية . ويتزامن هذا التراجع النسبي مع تقاطع مصالح لافت ظهر خلال التحركات الدبلوماسية الأخيرة في بكين، حيث برز توافق هناك على رفض عسكرة المضيق أو فرض رسوم على حركة الشحن الدولي .
وعلى الصعيد الجغرافي والسياسي، نشرت طهران خرائط لخطوط رقابية جديدة لاغلاق المضيق تمتد بين جبل مبارك وجزيرة قشم بمحاذاة مدينتي الفجيرة وأم القيوين الإماراتيتين، وهي خطوة قد تحمل أبعاد ضغط سياسي وجغرافي غير مباشر تجاه دولة الإمارات، رغم استمرار الخطاب الدبلوماسي الإيراني الرسمي في التأكيد على عدم وجود نوايا تصعيدية تجاه أبوظبي.
وفي خطوة استراتيجية لافتة، أعلنت الخارجية الإيرانية سعيها لإنشاء آلية تنسيق مشتركة مع سلطنة عُمان لإدارة الأمن وتنظيم الملاحة في المضيق. ويبدو أن طهران تسعى من خلال هذا الطرح إلى تعزيز شرعية مقاربتها الأمنية استناداً إلى الطبيعة الجغرافية للمضيق باعتباره يقع ضمن المياه الإقليمية للدولتين، فضلاً عن محاولة توسيع هامش القبول الإقليمي والدولي لترتيباتها الأمنية المقترحة عبر إشراك مسقط، التي تُنظر إليها باعتبارها طرفاً إقليمياً أكثر توازناً وهدوءاً في إدارة الأزمات الإقليمية. وحتى الآن، لم تصدر سلطنة عُمان موقفاً رسمياً حول الطرح الايراني .
وفي المجمل، تعكس هذه التطورات صراعاً يتجاوز البعد العسكري المباشر نحو إعادة رسم توازنات النفوذ والسيطرة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، في ظل سعي كل طرف إلى فرض قواعد اشتباك جديدة تحفظ مصالحه الاستراتيجية وتؤثر في مستقبل أمن الطاقة والتجارة الدولية. ويبدو أن طهران تحاول من خلال هذه المقاربة السياسية والأمنية تعزيز حضورها في إدارة أمن المضيق وتقليص هامش النفوذ العسكري الغربي تدريجياً، بينما تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى منع تحول هذه الترتيبات إلى واقع دائم قد يعيد تشكيل ميزان القوة في الخليج والمنطقة بأسرها.












