القدس والهيكل.. بين الحقيقة والتزييف
محمود أبو هلال
ليست كل الروايات التاريخية بريئة، فبعضها لا يُروى ليُفهم، بل ليُصدَّق. وعندما تتحول الأسطورة إلى أداة سياسية، يصبح التنقيب في الأرض أقل أهمية من التنقيب في النصوص نفسها.
هنا.. نحاول تفكيك ما يُقال، والوقوف على المسافة الفاصلة بين النص والتاريخ، وبين الدين وتوظيفه كحجة، فلَم نذهب لاجترار ما كُتب سابقا عن الهيكل ومزاعم اليهود فيه، بل إلى مراجعهم وكتبهم المقدسة لنستنبط منها ما يدحض خرافاتهم التلمودية، ويُبيّن حجم التناقض والتزييف الذي يمارسونه.
قبل الحديث عن الهيكل وعن مدينة القدس التي أنشأها العرب اليبوسيون قبل خمسة آلاف عام، وأسموها "يبوس"، وأطلق عليها الكنعانيون "أور سالم"، إله السلام عندهم.. يجب العودة إلى أصل اليهود وتسميتهم. فقد ذُكر أنهم سُموا بذلك نسبة إلى الابن الرابع ليعقوب عليه السلام "يهوذا"، وقيل إنهم يهود لتهودهم في الصلاة، أي تحركهم، ولكن يبقى السبب الأول هو الأرجح حسب معظم المؤرخين، ومنهم البيروني، الذي ذكر أن المُلك استقر في أبناء يهوذا الأسباط، وأُبدلت الذال الأعجمية بدال مهملة، لأن العرب كانوا إذا نقلوا أسماء إلى لغتهم غيروا بعض حروفها.
وأما العبور أو تسمية العبرانيين، فقد ذُكر أن سيدنا إبراهيم عليه السلام نشأ في بيئة وثنية ومشركة، وبدأ يدعو إلى الله، ثم هاجر من منطقة أور الكلدانية إلى أرض كنعان هو وزوجته سارة وابن أخيه لوط وزوجته، حوالي (1805 ق.م)، فدخل الشام، ثم عبر نهر الأردن، وحط به الرحال في قرية شكيم "نابلس"، ثم اتجه إلى الجنوب فوصل بئر السبع وبنى مسجدا، ثم ارتحل إلى مصر، ثم عاد إلى أرض كنعان بعد أن تزوج هاجر جارية زوجته سارة، والتي قدمتها له كزوجة.
أنجبت هاجر ولده إسماعيل، وهو جد العرب العدنانيين نسبة إلى عدنان، أحد أحفاده، ومن ثم أنجبت سارة إسحاق، ومن إسحاق الذي سكن فلسطين جاء يعقوب، الذي لُقب بإسرائيل، وأُطلق هذا اللقب على جميع ذريته، بعد أن تزوج من ابنتي خاله (ليئا وراحيل)، وأنجبتا له اثني عشر ولدا، وهم: (روبين، شمعون، لاوي، يهوذا، يساكر، زبلون، يوسف، بنيامين، دان، نفتالي، جاد، أشير).
انتقل آل يعقوب لاحقا إلى مصر، وهناك تكاثروا بسرعة حتى بلغ تعدادهم، حسب إحصاء موسى عليه السلام، ممن هم فوق العشرين عامًا (603550) (سفر العدد - الإصحاح 1: 45-48). ولما ضاق بهم المصريون، استقر الرأي على قتل كل المواليد الذكور. وفي عام (1213 ق.م) قاد موسى أفواجهم باتجاه أرض كنعان، وبعد أن بقوا في الصحراء أربعين سنة، أرسل موسى العيون، فجاءت الأخبار أن بها قوما جبارين. ومات موسى عليه السلام ولم يدخل أرض فلسطين.
بعد ذلك خلف موسى في الحكم يوشع بن نون، ودخل أريحا (عام 1260 ق.م)، فقتل أهلها ودمر بنيانها، وتقدم بجنده واحتل معظم الأراضي الكنعانية باستثناء "يبوس" القدس. وبعد وفاة يوشع، تولى الأمر بعض شيوخهم، وكان عددهم خمسة عشر، ووقع اختيار كاهنهم الأكبر صموئيل على شاول (طالوت)، أقوى "الإسرائيليين" وأقلهم مالا، ملكا عليهم، فحكم سنتين. وبعد معركة بينهم وبين سكان المنطقة بقيادة جالوت، الذي قُتل فيها طالوت وثلاثة من أبنائه، ظهر داود في نفس المعركة وقتل جالوت وأصبح ملكا.
حكم داود ما بين (1004–963 ق.م)، واتخذ من حبرون "الخليل" عاصمة لملكه.
وفي أواخر أيامه نادى بولده سليمان "رحبعام" ملكا، وهنا ينتهي عهد الملوك الأول ويدخل عهد الملوك الثاني.
تقول الرواية اليهودية إن الملك داود اشترى قطعة أرض من أحد المزارعين اليبوسيين، ويدعى أرنان، وذلك لإقامة هيكل للرب. وقام داود بإعداد التصميم والمواصفات لبناء الهيكل، وبعدها بدأ ببناء ذُكرت مساحته (200 م²) في كتاب الملوك الأول (أصحاح 6، آية 2)، وخصص كمية كبيرة من الذهب والفضة لبنائه. وجاء في كتاب الأيام الأول (أصحاح 22، آية 14) أن كمية الذهب تبلغ ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف كيلو من الذهب النقي، وستة وثلاثين مليون كيلو من الفضة، وكميات كبيرة من خشب الأرز، كلها وُضعت في البناء.
وتقول روايتهم أن البناء استمر مدة سبع سنوات على قدم وساق، دون أن يُسمع صوت لمعول أو أي أداة حديدية، كما جاء في كتاب الملوك الأول (الإصحاح 6، آية 7)، وكانوا يشيرون إلى أن الأحجار جاءت جاهزة، وبُنيت بطريقة التركيب والرص، وهنا نتساءل: عن أي أساسات يبحثون إذا كان البناء بطريقة الرص والتركيب؟!
وكيف أن هذه الكميات الكبيرة من الذهب والفضة وخشب الأرز والعمل المتواصل لمدة سبع سنوات مان لبناء مساحته 200 متر فقط؟!.
ومن ثم تقول الرواية اليهودية إن نبوخذ نصر ملك بابل دمر الهيكل وأحرقه تمامًا، وقد جاء في التوراة أن كورش ملك فارس أقام الهيكل الجديد، كما ورد في كتاب عزرا (أصحاح 1، آية 2): "هذا ما يقوله كورش ملك فارس: لقد وهبني إله السماء ممالك الأرض، وطلب مني أن أقيم له هيكلًا باسمه في أور سالم". ويعترف اليهود بذلك، وصلّوا فيه، إلى أن جاء الروماني تيتوس، ابن الإمبراطور فسبسيان، عام 79م، ودمره تمامًا.
وذكر في كتاب "تاريخ الإسرائيليين" (ص 77)، يقرّون بطبعة الكتاب دار السلطانية لشاهين بك ماريوس، أن هذه نهاية الإسرائيليين. وهنا نلاحظ أن اليهود يقرّون بأنه لا علاقة بين الهيكلين، وأن الأول دُمّر تمامًا.. فمن أين أتى حائط سليمان؟!
الغريب في الأمر ما جاء في الموسوعة اليهودية (إصدار 1972) تحت باب القدس، بأن اليهود لم يكونوا يقدسون الحائط الغربي، ولا يصلّون أمامه إلا بعد سنة 1520، بعد أن أُخرجوا من إسبانيا، وجاء بعضهم إلى القدس وأقاموا فيها. ومن باب التسامح الديني، سمح لهم السلطان سليمان القانوني بإقامة مصلّى لهم بجوار القدس، وكان قد أحاطها بأسوار سميت بأسوار سليمان. وبعد مرور قرنين من الزمان، بقي من الأسوار قليلها، ومنها حائط البراق (سور سليمان)، وما كان من اليهود إلا أن استبدلوا كلمة السلطان بكلمة الملك، وأصبح يُعرف فيما بينهم بسور الملك سليمان، ومن ثم حائط المبكى، بعد أن بدؤوا يبكون في صلاتهم أمامه.
وما زالوا يتشبثون بهيكلهم المزعوم، مع كل التنقيب والحفريات التي قاموا بها، والتي لم توصلهم إلى أي أثر يؤكد زعمهم.
والشيء الغريب أيضًا أن العالم الأوروبي المسيحي يتناسى قول المسيح القاطع عن هذا الهيكل: "لن يُترك حجر على حجر إلا ويُهدم" (إنجيل مرقس، أصحاح 13، آية 2). والمثير للدهشة ما جاء في التوراة: "هذا ما يعلنه الرب لأورشليم: أصلك ومولدك من أرض الكنعانيين" (سفر حزقيال، أصحاح 16، آية 3).
في المحصلة، لا تبدو قصة "الهيكل" كما تُطرح اليوم حقيقة تاريخية بقدر ما هي رواية تتكئ على الانتقاء والتأويل، وتعيش على هامش الدليل لا في صلبه. فكلما اتسعت الحفريات في الأرض، ضاقت المساحة أمام اليقين المزعوم. فحين تتحول الأسطورة إلى يقين سياسي، لا يعود البحث عن الحقيقة هدفا، بل يصبح عبئا يجب الالتفاف عليه. وهنا، تحديدا، تبدأ الحكاية التي لا علاقة لها بالتاريخ، بقدر ما لها علاقة بمن يكتبونه.












