زيارة عمّان إلى دمشق: قراءة أمنية واستراتيجية لما وراء البيان الرسمي
د. بشير الدعجة
عندما تتحرك الدول في لحظات الاضطراب الإقليمي فإنها لا تتحرك بدافع المجاملة السياسية أو البروتوكول الدبلوماسي… بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بالأمن القومي وبمنع انتقال الأزمات إلى حدودها… ومن هذا المنطلق يمكن قراءة الزيارة الأردنية رفيعة المستوى إلى دمشق باعتبارها واحدة من أهم التحركات الاستراتيجية الأردنية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ المنطقة… فتركيبة الوفد الأردني بحد ذاتها تكشف أن الأمر يتجاوز بكثير إطار العلاقات الثنائية التقليدية… إذ لم يقتصر الوفد على وزير الخارجية… بل ضم رئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير المخابرات العامة… وهو أمر نادر في الزيارات الدبلوماسية التقليدية… لأن حضور هاتين المؤسستين يعني أن الملفات المطروحة ليست سياسية فقط… بل أمنية وعسكرية واستخبارية من الدرجة الأولى… وهو ما يؤكد أن الأردن يتعامل مع المشهد السوري بوصفه جزءًا مباشرًا من أمنه القومي وليس مجرد ملف إقليمي بعيد عن حدوده… .
إن قراءة هذه الزيارة لا يمكن أن تتم بمعزل عن الجغرافيا الأمنية للحدود الأردنية السورية التي تمتد لما يقارب 375 كيلومترًا… وهي حدود أصبحت خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر الحدود نشاطًا من حيث التهديدات غير التقليدية… فالتقارير الأمنية تشير إلى أن الأردن أحبط خلال السنوات الأخيرة مئات عمليات التسلل والتهريب… وفي بعض الأعوام تجاوز عدد محاولات التهريب التي تم إحباطها 500 محاولة… كما صادرت القوات المسلحة الأردنية ملايين الحبوب المخدرة… وفي إحدى العمليات وحدها تم ضبط أكثر من 5 ملايين حبة كبتاغون كانت في طريقها للعبور نحو الأردن ودول الخليج… وهذه الأرقام ليست مجرد حوادث أمنية عابرة… بل تعكس وجود شبكة إقليمية منظمة لتهريب المخدرات تستخدم الجنوب السوري كنقطة انطلاق… وهو ما جعل الأردن يتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها حربًا غير تقليدية تستهدف أمنه الاجتماعي والاقتصادي… لأن تجارة الكبتاغون وحدها في المنطقة تشير تقديرات دولية إلى أنها تجاوزت 10 مليارات دولار سنويًا… وهو رقم يكشف حجم الشبكات التي تقف خلفها… .
لكن البعد الأخطر في هذا الملف لا يتعلق بالمخدرات فقط… بل بالجهات المسلحة التي تحمي شبكات التهريب أو تستفيد منها… فخلال سنوات الحرب السورية دخلت إلى سوريا عشرات الميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني… بعضها لبناني مثل حزب الله… وبعضها عراقي مثل حركة النجباء وكتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء… إضافة إلى فصائل أخرى متعددة الجنسيات… وهذه المجموعات لم تأتِ إلى سوريا فقط للدفاع عن النظام السوري كما كان يقال في البداية… بل أصبحت جزءًا من مشروع إقليمي أوسع تسعى إيران من خلاله إلى بناء ما يسمى بالممر البري الاستراتيجي الذي يربط طهران ببغداد فدمشق فبيروت… أي ما يعرف جيوسياسيًا بمحور طهران – المتوسط… وهذا الممر يمثل بالنسبة لإيران أحد أهم مشاريعها الاستراتيجية لأنه يسمح لها بنقل السلاح والرجال والنفوذ عبر أربع دول في المنطقة… وهو ما يفسر الانتشار الواسع لهذه الميليشيات في الأراضي السورية… .
ومن هنا يصبح القلق الأردني مفهومًا… لأن تمركز هذه الميليشيات في الجنوب السوري يعني عمليًا أن حدود الأردن قد تتحول في أي لحظة إلى نقطة تماس مع شبكة عسكرية مرتبطة بإيران… خصوصًا في ظل التصعيد الإقليمي الحالي بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى… فالحرب التي تشهدها المنطقة اليوم لم تعد حربًا تقليدية بين جيوش نظامية… بل حرب نفوذ تستخدم فيها القوى الإقليمية شبكة من الأذرع العسكرية المنتشرة في عدة دول… وقد ظهر ذلك بوضوح عندما دخل حزب الله اللبناني في المواجهة العسكرية الأخيرة بوصفه أحد أهم الأذرع العسكرية لإيران… كما شهدنا خلال الأشهر الماضية هجمات نفذتها فصائل عراقية مرتبطة بإيران ضد أهداف أمريكية في العراق وسوريا… وهو ما يؤكد أن هذه الشبكة العسكرية قادرة على التحرك في أكثر من ساحة في الوقت نفسه… .
في هذا السياق يصبح الجنوب السوري أحد أخطر المواقع الجيوسياسية في المنطقة… لأنه يقع عند تقاطع ثلاث جبهات حساسة… الأردن… وإسرائيل… والعراق… ومن يسيطر على هذه المنطقة يستطيع التأثير على الأمن الإقليمي لثلاث دول في وقت واحد… ولذلك فإن إسرائيل نفسها نفذت خلال السنوات الماضية مئات الضربات الجوية داخل الأراضي السورية لمنع تمركز الميليشيات الإيرانية قرب حدودها… وتشير تقديرات عسكرية إلى أن عدد الضربات الإسرائيلية داخل سوريا منذ عام 2017 تجاوز الألف ضربة… وهو رقم يعكس حجم الصراع الخفي الذي يدور فوق الأراضي السورية… وفي ظل هذا الواقع يدرك الأردن أن أي تصعيد واسع بين إيران وإسرائيل قد يدفع هذه الميليشيات إلى التحرك في الجغرافيا السورية… وهو ما قد يخلق بيئة أمنية شديدة الخطورة قرب حدوده الشمالية… .
كما لا يمكن إغفال خطر التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش… فرغم الضربات القاسية التي تلقاها التنظيم خلال السنوات الماضية إلا أنه لم يُهزم بشكل كامل… بل ما زال يحتفظ بجيوب وخلايا متناثرة في عدة مناطق داخل سوريا… بما في ذلك بعض المناطق في الجنوب السوري… إضافة إلى نشاطه المستمر في البادية السورية وعلى الحدود السورية العراقية… حيث تشير تقارير أمنية إلى أن التنظيم ما زال ينفذ عمليات كرّ وفرّ ضد القوات المحلية هناك… كما يواصل إعادة تنظيم شبكاته في بعض مناطق العراق… وفي ظل حالة السيولة الأمنية التي قد تفرزها أي مواجهة إقليمية واسعة بين إيران وإسرائيل… فإن مثل هذه التنظيمات غالبًا ما تحاول استغلال الفوضى لإعادة بناء قدراتها… وهو ما يجعل خطر عودة داعش عاملًا إضافيًا في حسابات الأمن الإقليمي… خصوصًا أن أي فراغ أمني في الجنوب السوري قد يخلق بيئة مناسبة لتحرك خلاياه النائمة أو انتقال عناصره بين الساحات السورية والعراقية… وهو سيناريو تدرك المؤسسات الأمنية الأردنية خطورته جيدًا… .
ومن هنا يمكن فهم الرسالة الأساسية التي حملها الوفد الأردني إلى دمشق… وهي أن الأردن يريد إعادة ترتيب البيئة الأمنية في الجنوب السوري قبل أن تتوسع دائرة الحرب في المنطقة… فوجود رئيس هيئة الأركان في هذه الزيارة ليس تفصيلًا بروتوكوليًا… بل مؤشر واضح على أن النقاش شمل ترتيبات ميدانية تتعلق بانتشار القوات وآليات ضبط الحدود والتنسيق العسكري والاستخباري… لأن مثل هذه الملفات لا يناقشها عادة وزراء الخارجية… بل القيادات العسكرية والأمنية… كما أن حضور مدير المخابرات العامة يعني أن هناك ملفات استخبارية حساسة تم بحثها… تتعلق بشبكات التهريب… وتحركات الميليشيات… وتبادل المعلومات حول الجماعات المسلحة التي تنشط في الجنوب السوري… .
ولا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن سلسلة اللقاءات الأردنية السورية التي جرت خلال السنوات الماضية… فالعلاقة بين عمّان ودمشق شهدت خلال العقد الأخير مراحل معقدة… لكنها بدأت منذ عدة سنوات بالعودة التدريجية إلى مسارها الطبيعي… وقد جرت لقاءات متعددة بين مسؤولي البلدين تناولت ملفات أمن الحدود والتجارة والطاقة والنقل… كما تم إنشاء آليات تنسيق مشتركة لمتابعة هذه الملفات… إلا أن الزيارة الأخيرة تختلف عن اللقاءات السابقة لأنها جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية… ولأنها ضمت أعلى المستويات الأمنية والعسكرية في الدولة الأردنية… وهو ما يعكس انتقال التنسيق بين البلدين من المستوى السياسي إلى مستوى أعمق يتعلق بإدارة التحديات الأمنية المشتركة… .
ويكتسب توقيت الزيارة بعدًا استراتيجيًا بالغ الأهمية… فهي جاءت بعد موجة تصعيد في الهجمات الإيرانية على العراق وسوريا وعمليات حزب الله اللبنانية في الحدود الشمالية لإسرائيل… ومع استمرار نشاط الميليشيات العراقية المرتبطة بإيران… أصبح الجنوب السوري منطقة محورية يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى ساحة تصادم مفتوحة… ولذلك اختار الأردن هذا التوقيت بعناية لضمان التنسيق الأمني والاستخباري مع دمشق قبل أي توسع محتمل للحرب… كما يعكس التوقيت بعدًا استباقيًا لاحتواء أي نشاط عسكري أو تهريبي قد يهدد الأمن القومي الأردني… وهو ما يجعل الزيارة خطوة استراتيجيًا متقدمة ضمن سياسة ضبط البيئة المحيطة بالمملكة ومنع انتقال تداعيات الحرب إليها… .
غير أن المشهد الأمني في الجنوب السوري لا يكتمل فهمه دون التوقف عند العامل الدرزي في محافظة السويداء… فهذه المنطقة التي تمثل الثقل الديمغرافي للطائفة الدرزية أصبحت خلال السنوات الأخيرة عنصرًا مؤثرًا في معادلة التوازنات الأمنية في الجنوب السوري… خصوصًا مع تصاعد الحديث في الأوساط الإقليمية عن قنوات تواصل غير مباشرة بين بعض الشخصيات الدرزية وجهات إسرائيلية… في ظل الروابط الاجتماعية والعسكرية التي تجمع الدروز داخل إسرائيل مع أبناء الطائفة في سوريا… وتتعامل تل أبيب مع هذا الملف من منظور استراتيجي يهدف إلى منع تمركز الميليشيات الإيرانية قرب حدودها… بل إن بعض التقديرات الأمنية الإسرائيلية ترى في الجنوب السوري بما فيه السويداء منطقة يمكن أن تتحول إلى حزام اجتماعي وأمني يحد من تمدد النفوذ الإيراني باتجاه الجبهة الجنوبية… غير أن مثل هذه المعادلة تحمل في طياتها مخاطر جيوسياسية معقدة… لأنها قد تدفع الجنوب السوري إلى التحول إلى ساحة تنافس نفوذ غير مباشر بين إيران وإسرائيل عبر أدوات محلية… وهنا تحديدًا يمكن فهم أحد الأبعاد غير المعلنة لزيارة الوفد الأردني رفيع المستوى إلى دمشق… فالأردن يدرك أن أي تغير في التوازنات المحلية داخل السويداء أو أي انفتاح على أدوار إقليمية خارج سيطرة الدولة السورية قد يعيد رسم الخريطة الأمنية في الجنوب السوري… وهو ما قد يفتح الباب أمام فراغ أمني أو صراع نفوذ ينعكس مباشرة على الحدود الأردنية… ولذلك فإن التنسيق الأردني مع دمشق في هذا التوقيت لا يقتصر على ملف الحدود أو شبكات التهريب… بل يمتد إلى هدف استراتيجي أعمق يتمثل في تثبيت الاستقرار في الجنوب السوري ومنع تحوله إلى منصة صراع إقليمي أو إلى مساحة نفوذ متصارعة… لأن أي خلل في توازن هذه المنطقة الحساسة قد يضع الأردن أمام معادلة أمنية أكثر تعقيدًا في محيطه الجيوسياسي المباشر… .
ومن الأبعاد الأخرى التي يمكن قراءتها في هذه الزيارة أنها تحمل رسالة ردع غير مباشرة إلى القوى الإقليمية التي تسعى إلى تحويل الجغرافيا السورية إلى ساحة صراع مفتوح… فالأردن من خلال هذا التنسيق مع دمشق يبعث برسالة واضحة مفادها أن حدوده الشمالية ليست فراغًا أمنيًا يمكن استغلاله في الصراعات الإقليمية… وأن المملكة قادرة على بناء شبكة تنسيق أمني وعسكري مع الدولة السورية تمنع استخدام الجنوب السوري كنقطة انطلاق لأي نشاط يهدد الأمن الأردني… سواء كان ذلك عبر الميليشيات أو عبر شبكات التهريب أو عبر عمليات عسكرية غير مباشرة… .
كما أن الزيارة تحمل بعدًا استباقيًا يتعلق بإدارة سيناريوهات توسع الحرب في المنطقة… فالمؤسسات الأمنية والعسكرية في الأردن تعتمد في تقييمها للمخاطر على ما يسمى بالتخطيط القائم على السيناريوهات… أي دراسة الاحتمالات المستقبلية قبل وقوعها… ومن بين هذه السيناريوهات احتمال توسع المواجهة بين إيران وإسرائيل لتشمل ساحات أخرى مثل سوريا والعراق… وفي مثل هذا السيناريو قد تحاول بعض الميليشيات استخدام الجنوب السوري لإطلاق صواريخ أو تنفيذ عمليات عسكرية في المنطقة… وهو ما قد يؤدي إلى ردود عسكرية واسعة قد تمتد آثارها إلى الحدود الأردنية… ولذلك فإن التحرك الأردني في هذا التوقيت يمكن فهمه باعتباره محاولة لاحتواء هذه السيناريوهات قبل أن تتحول إلى واقع ميداني… .
ومن الأبعاد المهمة أيضًا أن هذه الزيارة تندرج ضمن سياسة أردنية أوسع لإعادة التوازن إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بالمملكة… فالأردن يدرك أن استقرار حدوده الشمالية يشكل جزءًا أساسيًا من استقرار الإقليم ككل… ولذلك فإنه يسعى إلى بناء منظومة تعاون أمني مع دمشق تقوم على مبدأ المصالح المشتركة… وهو مبدأ أثبت تاريخيًا أنه أكثر فاعلية من سياسات العزل أو القطيعة… خصوصًا في بيئة إقليمية تتداخل فيها الأزمات والتهديدات… .
كما يمكن إضافة بعد اقتصادي وسياسي مهم… فالزيارة تعكس رغبة الأردن في فتح قنوات اقتصادية مباشرة مع دمشق بما يخدم مصالحه في الطاقة والنقل والمياه والتجارة… خصوصًا في ظل إعادة إعمار سوريا وتدفقات الاستثمارات الإقليمية والدولية… وهذا البعد يضيف عامل ضغط إيجابي على دمشق لضبط الجنوب السوري… إذ إن أي اضطرابات أمنية ستؤثر مباشرة على مسار إعادة الإعمار والاستثمارات… وهو ما يجعل التعاون الأردني-السوري أكثر ضرورة من أي وقت مضى… .
أما دمشق نفسها فلديها أيضًا مصلحة واضحة في هذا التعاون… لأن استقرار الجنوب السوري يمثل أحد المفاتيح الأساسية لاستقرار الدولة السورية بعد سنوات الحرب الطويلة… كما أن تحسين العلاقة مع الأردن يفتح أمام سوريا بوابة مهمة نحو العالم العربي… سواء في مجالات التجارة أو النقل أو الطاقة أو إعادة الإعمار… ولذلك فإن دمشق تدرك أن ضبط الحدود الجنوبية ومحاربة شبكات التهريب يخدم مصالحها السياسية والاقتصادية في الوقت نفسه… .
وإذا جمعنا كل هذه المعطيات معًا… فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا… فالزيارة الأردنية إلى دمشق ليست مجرد خطوة دبلوماسية… بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحصين الأمن القومي الأردني في مواجهة بيئة إقليمية مضطربة… فالأردن يدرك أن الصراع بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى قد يتسع في أي لحظة… وأن الأراضي السورية قد تتحول إلى إحدى ساحات هذا الصراع… ولذلك فإن التحرك الأردني يهدف إلى منع انتقال تداعيات هذه الحرب إلى حدوده… وإلى ضمان أن يبقى الجنوب السوري منطقة مستقرة نسبيًا لا تتحول إلى منصة للميليشيات أو ساحة للصراع الإقليمي… وبعبارة أخرى فإن عمّان تتحرك وفق مبدأ استراتيجي واضح في إدارة الأزمات… وهو إطفاء الحرائق في محيطها الجغرافي قبل أن تصل ألسنة اللهب إلى حدودها… .






