شباب صينيون مستعربون: نخلات سامقات تثمر تعارفا وتقاربا تحت سماء الصداقة
شباب صينيون مستعربون: نخلات سامقات تثمر تعارفا وتقاربا تحت سماء الصداقة
بقلم كاتب وكالة أنباء ((شينخوا)) لي تنغ
يعمل اليوم في الأقطار العربية، بجدّ ونشاط، مستعربون صينيين في ريعان شبابهم، كأنهم نخلات سامقات يضرب بجذورها في أرض الصداقة العريقة، لتجود بثمار تعمّق أواصر التعارف والتقارب بين الأمتين العريقتين.
ــ دارس للثفاقة العربية
كانت اللغة العربية بما تذخر به في طياتها من حضارة وثقافة وآداب، علما غير مألوف لدى عامة الصينيين. غير أن ازدياد التواصل بين الشعب الصيني والشعوب العربية، ولا سيما في ظل التقارب الذي أتاحته مبادرة الحزام والطريق، وما يتطلبه ذلك من تعارف بين الأمتين بوصفه ضرورة ملحة، زاد شغف الشباب الصينيون بالحضارة العربية، فأقبلوا على دراسة لغتها بعزم راسخ وتطلع جاد.
ومن بين هؤلاء الشاب فنغ يي فان، الطالب الوافد بكلية الآداب في الجامعة الأردنية، إذ قال "ينبغي علينا نحن الطلاب الصينيين الدارسين للغات الأجنبية أن نجتهد في تعلم اللغة العربية حتى نبلغ فيها درجة الإتقان".
فبعد تخرجه في كلية اللغة العربية بجامعة هيلونغجيانغ، وهي إحدى الجامعات الأربعين التي أنشئ فيها تخصص اللغة العربية، ويبلغ مجموع طلاب هذا التخصص في هذه الجامعات الأربعين قرابة خمسة آلاف طالب، توجه فنغ إلى الأردن لإتمام دراسة الماجستير، حيث قال "أرغب في صقل قدراتي اللغوية والإطلاع بشكل مباشر على الثقافة العربية"، مشيرا إلى طموحه في التعرف على أحدث ما يستجد في الدراسات العربية لدى أهل الاختصاص.
وقد انشغل فنغ بدراسة مجموعات النصوص اللغوية التي جُمعت أو أُنشئت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، إلا أنه لم يكن راضيا تمام الرضا عن برامج معالجة اللغة الطبيعية التي استخدمها سابقا، لذا قال في هذا الصدد "سأطلع عن كثب على ما يدرسه العرب، وأعمل على جمعه لمواصلة دراستي بعد عودتي إلى الصين".
وكان فنغ قد شارك في مسابقة نظمتها جامعة بكين، بمشروع يدرس سبل البحث في مجموعات النصوص اللغوية التي تم جمعها أو إنشاؤها بمساعدة الذكاء الاصطناعي، مع تركيزه على تبادل الخبرات في مجالي الطب والصيدلة بين الصين والدول العربية. ورأى فنغ أن هذا "سيسهم في تعميم تعليم الطب والصيدلة، وتعزيز التعاون والتبادل في هذين المجالين بالمناطق التي تواجه صعوبة في الوصول إلى الإنترنت".
وحتى الآن، نجح في جمع أكثر من 5300 مفردة ثلاثية اللغة (عربي-صيني-إنجليزي) ضمن مجموعته للنصوص اللغوية بمساعدة الذكاء الاصطناعي، محققا نسبة ملاءمة بلغت 93.6 في المائة.
ــ ناشر للثقافة الصينية
بدأت أواصر علاقة الأستاذ لي بان بالمملكة العربية السعوبية في عام 2019، وهو العام الذي أُدرجت فيه اللغة الصينية ضمن منظومة التعليم في المملكة. وذكر لمراسل وكالة أنباء ((شينخوا)) "بالنسبة لنا، نحن المنشغلين بتعليم الطلاب الأجانب اللغة الصينية وثقافتها، تُعد السعودية بمثابة واحة خصبة نابضة بالحيوية وبيئة مواتية لتفتّح زهرة اللغة الصينية".
وتوازيا مع شغف الشباب الصيني بدراسة اللغة العربية، يحظى تعلم اللغة الصينية بإقبال متزايد. وحتى أكتوبر 2022، أُدرجت اللغة الصينية رسميا في النظام التعليمي الوطني للإمارات والسعودية ومصر وتونس، كما أنشأت 15 دولة عربية أقساما أو تخصصات للغة الصينية.
ومنذ أن بدأ لي بان في تعليم الطلاب الدارسين بجامعة الملك عبدالله العزيز عبر المنصات الافتراضية، إلى أن اعتلى منبر التدريس فيها، شهد بعينيه نشأة تخصص اللغة الصينية وتطوره في السعودية، حيث ازداد عدد الطلاب (الذكور) من عدد يُعد على الأصابع إلى ما يقارب خمسين طالبا.
وعند وصفه علاقته بطلابه، قال "المدرس مع الدارس، كالصديق مع صديقه"، وأضاف بنبرة يغلب عليها التأثر أن الطلاب يتعلمون لغة الصينيين العريقة في قاعة المحاضرات، فيما يطلعون أستاذهم في أوقات الفراغ على ملامح الحياة العربية التقليدية، مثل ركوب الجمال في الصحراء أو احتساء القهوة على شاطئ البحر.
كما استذكر أيامه الأولى بعد وصوله إلى المملكة، حين ساعده طلابه بلا كلل وملل في البحث عن شقة للاستئجار وشراء المستلزمات المنزلية في السوق، بل وحتى مساومة الباعة على الأسعار. وفي هذا السياق، أوضح قائلا "صراحة، يلفتني جمعهم بين هذه الحفاوة من الضيافة والحماس والود وبين ملامحهم الهادئة تحت الغرة الحمراء".
وعلى الرغم من أنه واجه في البداية مصاعب متعددة تمثلت في تحديد برنامج تعليمي واختيار منهج مناسب للواقع العملي من جهة، وتجاوز العوائق اللغوية من جهة أخرى، إلا أنه بعد أن رأى خريجيه يلتحقون بالعمل في البعثات لدى الصين أو الدوائر الحكومية أو الشركات الصينية، قال "أشعر بفيض من الرضا والسرور، كأنني راع نجح في إنماء زهور صحراء زاهية".
ــ سفيرة للتبادل الثقافي
على صعيد آخر مختلف عن تخصصي فنغ ولي، تعمل الشابة تشن يوه تشن أيضا على بذل ما في وسعها لتعزيز التواصل والتبادل الثقافي بين أبناء الأمتين في عملها وحياتها اليومية.
وبصفتها امرأة عاملة ناجحة، وتشغل منصب مديرة التدريب في مشروع "إي بي إس" التابع لشركة تشنهوا النفطية، شاركت في بناء منظومة تدريبية شاملة وبرامج دراسية طويلة الأمد للموظفين العراقيين، حيث استفاد منها أكثر من 3 آلاف شخص، في ساعات تدريبية تجاوزت 28 ألف ساعة.
كما أُطلقت بفضل جهودها 11 دورة من برنامج تدريبي في الصين يعرف باسم "خطة النسر" بمشاركة 186 موظفا. إضافة إلى ذلك، نفذت أربع دورات في إطار المنحة الدراسية التابعة لشركة تشنهوا بمشاركة 54 موظفا من الشركة ووزارة النفط العراقية، وهو ما أسهم في تغيير حياة كثيرين من الشباب العراقيين، إذ انتقل العديد من العمال إلى صفوف المهندسين، وتبوأ عدد من الموظفين مناصب إدارية في مختلف الأقسام.
وقالت "أتطلع إلى توظيف قدراتي اللغوية لبناء جسور التواصل، وأسعي بصبر ومهنية إلى أن أكون حلقة وصل تربط بين الموظفين الصينيين والعراقيين، وبين المشروع والمجتمع المحلي".
تخرجت تشن في قسم اللغة العربية بجامعة بكين، وتؤمن دوما بأن الثقافة لغة عالمية تتجاوز الحدود، فلم تتدخر جهدا في تشجيع التبادل الثقافي خلال فترة عملها بالعراق. فقد حملت أدوات فن الخط الصيني والمروحة المستخدمة في رياضة تاي تشي، لتقديم عروض من التراث الثقافي الصيني للجمهور المحلي، رأت أنها من خلالها أصبحت "ناقلة لسحر الثقافة الأصيلة بروح من الصبر والتفاني، ليشعر الجمهور بعمقها ودفئها وجمالها القائم على الانسجام والاعتدال والمرونة".
ولفتت الشابة الخجولة في حديثها لـ((شينخوا)) إلى أنها شاركت كذلك في زيارات دعم المدارس الابتدائية وفي فعاليات متعددة نظمتها السفارة الصينية في العراق، حيث قدمت الثقافة التقليدية الصينية لمحبيها، وقالت بابتسامة "إنني سعيدة باكتشاف حب الأطفال العراقيين للصين، إذ تتجه قلوب كثير منهم نحو الشرق منذ نعومة أظفارهم".
واختتمت تشن حديثها بالتعبير عن آمالها المستقبلية، قائلة "أتمنى أن أظل دائما لبنة وجسرا للتواصل الصيني-العربي، وأسهم في التنمية بالمهارات، وأقرب القلوب











