الاستهدافات الإيرانية لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن تحوّل في معادلة الردع أم انزلاق نحو إعادة تشكيل الإقليم؟
اللواء الركن المتقاعد : محمد سالم جرادات
شكّل الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي في 28 شباط / فبراير 2026 نقطة تحوّل حقيقية في مسار الصراع بين الغرب وإيران، العملية التي سُمّيت أمريكياً بـ (عملية الغضب الملحمي) وإسرائيلياً بـ (زئير الأسد)، لم تكن مجرد ضربة عسكرية محدودة، بل مثّلت انتقالاً من سياسة الاحتواء المتدرّج إلى محاولة فرض إعادة ضبط لقواعد الاشتباك في المنطقة.
التطورات اللاحقة حتى 4 مارس / آذار أظهرت أن الرد الإيراني لم يأتِ في إطار تكتيكي ضيق، بل اتجه نحو توسيع رقعة الاشتباك جغرافياً ومجالياً، بحيث لم يعد مسرح العمليات محصوراً بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة، بل امتد ليشمل المجال الخليجي والبحري، ولامس المجالات الجوية لدول عربية ومجاورة، من بينها الأردن. هنا تكمن النقطة الجوهرية بطرح السؤال هل نحن أمام رد فعل مؤقت؟ أم أمام محاولة إيرانية لإعادة هندسة المجال الاستراتيجي المحيط بها؟
مفهوم الردع غير المباشر إلى الردع المتداخل الساحات، اعتمدت إيران طوال العقود الماضية مقاربة الردع غير المتماثل عبر مزيج من القدرات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والأدوات السيبرانية، وشبكات الحلفاء الإقليميين، وقد أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في أكثر من دراسة إلى أن طهران تتبع نموذج "الضغط متعدد المستويات”، الذي يسمح لها بتوسيع هامش التأثير دون الانخراط في حرب تقليدية مباشرة. غير أن ما شهدته المنطقة في الأيام الأخيرة يكشف انتقالاً من مرحلة الضغط غير المباشر إلى استخدام أدوات مباشرة وبكثافة أعلى، بما في ذلك موجات صاروخية ومسيرات ذات مديات بعيدة، وتحركات في المجال البحري، ما يشير إلى أن طهران تحاول تثبيت معادلة جديدة عنوانها (أمن إيران لا ينفصل عن أمن الخليج). بعد نهاية اليوم الرابع من العمليات ، بدى واضحاً التشتت في القرار الاستراتيجي الإيراني في الاشتباك المباشر مع دول الجوار التي لم يصدر منها أي تهديد لإيران خلال العمليات ، وحسب المعطيات المعلنة من قبل رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكي يوم 4 اذار ( بأن القدرات الصاروخية الإيرانية تراجعت من 350 صاروخا اطلقت في اليوم الأول الى 50 صاروخاً فقط في اليوم الرابع) وهذا التراجع يبين ان الهجمات الجوية لكل من أمريكا وإسرائيل تتسم بالدقة والفعالية في تدمير او تحييد منظومة اطلاق الصواريخ الإيرانية تباعاً حسب برنامج متتالي ومركز، من جهة أخرى وبناءً على ما أصدره معهد دراسات الامن القومي الأمريكي الذي صنف الدول التي استهدفت بالصواريخ الإيرانية خلال أربعة أيام تنازلياً من حيث عدد الصواريخ ( جاءت الامارات العربية المتحدة في المركز الأول بواقع 863 صاروخ ، والثاني الكويت والثالث دولة قطر والرابع مملكة البحرين وفي المركز الخامس إسرائيل ب 113 صاروخ )وبهذا يظهر جلياً ان ايران بقرارها تظهر ان حربها مع دول الجوار كاتجاه رئيسي وليس مع إسرائيل والولايات المتحدة ، وبهذا فقدت عنصر التركيز الاستراتيجي ، هذا عدا زج ايران لحزب الله في حرب أخرى مع إسرائيل على الأرض اللبنانية التي وجدت بدورها ذريعة وفرصة سانحة لاجتياح لبنان حتى نهر الليطاني بهدف حماية حدودها الشمالية ، وبنفس السياق تحريك فصائل الحشد في العراق لمهاجمة اهدافاً في الكويت الدولة الجارة ، وهذا بمجموعه يعتبر من الناحية الاستراتيجية ارتباك في منظومة صنع القرار ومحاولة خلط أوراق ليس منها طائل للصالح الإيراني في ظل تطورات البيئة العملياتية والاستراتيجية الحالية والمستقبلية بكل تعقيداتها.
تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها اليوم في موقع حساس استراتيجياً، فهي ليست طرفاً مباشراً في المواجهة، لكنها تمتلك عناصر تجعلها جزءاً من الحسابات بسبب وجود منشآت طاقة تمثل عصب السوق العالمي ، وقواعد عسكرية وشراكات دفاعية غربية ، وموقع جغرافي يتحكم في طرق الملاحة الحيوية ، مع الاخذ بالاعتبار أن طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط انتقلت إلى نمط "الردع الهجين”، حيث تتداخل الأدوات العسكرية مع السيبرانية والاقتصادية ، الى أن تدخل المنطقة مرحلة أكثر تعقيداً يمكن وصفها بـ (الردع المتشابك)، بحسب بعض تقارير مؤسسة البحث والتطوير الامريكية، حيث يصبح أي استهداف محدود قابلاً للتوسع عبر عدة مجالات في آن واحد. وهنا فان تلك التحولات ستحدث تأثيرات وبناء استراتيجيات حديثة حالياً وفي المستقبل القريب تشمل، رفع مستوى الجاهزية الدفاعية الجوية ، تسريع مشاريع الربط الرادارى والإنذار المبكر, تكثيف التنسيق البحري لحماية الملاحة ، ومن المرجح أن تتجه دول الخليج إلى تعميق التكامل الدفاعي، وربما إعادة تفعيل صيغة أكثر تقدماً لقوات درع الجزيرة، بقدرات تقنية حديثة تعتمد على الدفاع الجوي متعدد الطبقات والذكاء الاصطناعي ، لكن في المقابل، كلما زادت درجة التشابك الدفاعي، ارتفعت احتمالات تحول أي حادث تكتيكي إلى أزمة استراتيجية.
المملكة الأردنية الهاشمية ركيزة استقرار رئيسية في الشرق الأوسط ، وتقع في نقطة التقاء حيوية بين العراق وسوريا وفلسطين ، هذا الموقع الجيو استراتيجي جعلها خلال الأيام الماضية ضمن مسارات المقذوفات العابرة وعمليات الاعتراض الجوي حفاظاً على الأردن وسيادته وحماية اجواءه ومواطنيه ، ورغم وضوح السياسة الأردنية الثابتة بعدم السماح بأن تكون أراضيها أو أجواؤها ساحة صراع، فإن الواقع العملياتي للصراع الصاروخي يفرض تحديات دفاعية مباشرة، وعلى الأردن ان يتعامل مع أي تحدي او تهديد حفاظاً على سيادته واستقراراه ، وأحد أوجه التحدي الأردني اليوم يتمثل في معادلة دقيقة تكمن في الحفاظ على التوازن السياسي الذي يحظى بتقدير عالي اقليمياً ودولياً وعدم الانجرار للاستقطاب ، ويبقى الأردن يعمل بجد لتعزيز قدراته وجاهزيته الدفاعية، خصوصاً في مجالات منظومات الدفاع الجوي ، وحماية المجال السيبراني والبنية التحتية الحيوية ، إلى جانب ذلك، فإن أي تصعيد ممتد ستكون له آثار اقتصادية مباشرة على الأردن، سواء من خلال اضطراب حركة التجارة البرية والبحرية ، وتأثر سلاسل الامداد ، أو ارتفاع كلفة الطاقة والشحن ، أو تراجع الاستثمار والسياحة.
أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي، الخليج العربي لا يزال مركز الثقل في سوق الطاقة العالمي. وأي اضطراب أمني فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط، وتكاليف التأمين البحري، وسلاسل الإمداد، التطور الدراماتيكي حالياً يوضح أن مفهوم (أمن الطاقة) لم يعد يقتصر على حماية المنشآت النفطية، بل أصبح منظومة متعددة الطبقات وعليها ان تشمل حماية سلاسل النقل البحري، والأمن السيبراني لمنشآت الطاقة، وأنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ولا بد من تنويع مسارات التصدير والاستثمار، هذه التحولات تعني أن الصراع الحالي قد يعيد تشكيل معادلة الطاقة العالمية، وليس فقط ميزان القوى الإقليمي.
مخاطر سوء التقدير. تشير تحليلات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن المنطقة دخلت مرحلة "ردع غير مستقر”، حيث تمتلك الأطراف أدوات ضغط فعالة، لكن دون وجود آليات إقليمية مؤسسية لإدارة الأزمات ، ومن هنا فان الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة الأولى، بل في سلسلة الردود المتبادلة، فحادث بحري محدود، أو اختراق سيبراني غير محسوب، قد يتحول سريعاً إلى أزمة واسعة في ظل غياب قنوات اتصال واضحة بين الأطراف المتصارعة في الوقت ذاته، من المرجح أن يقود التصعيد إلى إعادة رسم التحالفات الإقليمية وربما تأخذ شكل محور يتجه نحو تكامل دفاعي صلب ، ومحور يسعى إلى إدارة توازنات دقيقة مع إيران المستقبلية ، ويبقى الرهان على ما ستسفر عنه نتائج الحرب الدائرة وما سيؤول له النظام الإيراني بعد نهاية الحرب. اما الأردن سيبقى أقرب إلى نموذج التوازن المحسوب واستمرار دوره الفاعل في التهدئة وتعزيز عوامل الاستقرار الإقليمي عبر القنوات الدبلوماسية النشطة من جهة ويركز على تطوير وتعزيز القدرات الدفاعية.
خلاصة القول فان المفهوم بين الردع الهش وإعادة تشكيل قواعد الأمن الاقليمي ، لم تعد الاستهدافات الإيرانية لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن أحداثاً معزولة، بل تبدو انها ستكون جزءاً من محاولة إعادة تشكيل قواعد الأمن الإقليمي ومن الواضح ان ايران تٌمعن في الحاق الأذى في طبيعة علاقاتها مع الجوار العربي واستهداف منشئاتها ، بالرغم انها تتعرض الى مقياس عالي جداً من التهديد على مدى الأيام الماضية يفوق بأضعاف ما تعرضت له العراق في حرب الخليج الثانية ، إذا استمرت هذه الديناميكية، فإن المنطقة تتجه نحو نموذج ردع متعدد المجالات، عالي الكلفة، محدود الضمانات، وهنا تظهر المعادلة المستقبلية انها لن تُحسم عسكرياً بقدر ما ستُدار استراتيجياً ، والتحدي الأكبر لن يكون في منع التهديدات بالكامل، بل في إدارة التوازن الهش بين الردع والتصعيد، وبناء منظومات دفاع وتعاون دفاعي إقليمي تمنع الانزلاق إلى صراع مفتوح يعيد رسم خريطة المنطقة بالقوة.










