تحت قبة البرلمان… الضمان بين مطرقة الاستدامة وسندان الشارع: جدل واسع بعد رفع الجلسة وإحالته للجنة
الأنباط ـ فايز الشاقلدي
شهدت قبة مجلس النواب، اليوم الأربعاء، جلسة مشحونة بالجدل خلال مناقشة مشروع قانون معدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026، انتهت بموافقة الأغلبية على إحالة المشروع إلى لجنة العمل والتنمية والسكان النيابية، وسط اعتراضات واسعة من عدد من النواب على قرار رفع الجلسة، وما اعتبروه استعجالاً في إدارة النقاش حول أحد أكثر التشريعات حساسية في البلاد.
الجلسة التي ترأسها رئيس المجلس مازن القاضي، بحضور رئيس الوزراء جعفر حسان وأعضاء الفريق الحكومي، بدأت بقراءة أولية لمشروع القانون، أعقبتها كلمات ومداخلات لرؤساء الكتل النيابية، عكست حجم التباين في المواقف بين من يرى في التعديلات ضرورة مالية لضمان استدامة الصندوق، ومن يعتبرها عبئاً اجتماعياً يجب إعادة النظر فيه بدقة أكبر.
قانون يمس كل بيت… وحساسية مضاعفة
رئيس المجلس أكد في مستهل النقاش أن التعامل مع مشروع القانون سيكون "بأعلى درجات المسؤولية الوطنية والجدية، بعيداً عن أي استعجال أو انفعال”، مشدداً على أن الضمان ليس نصاً قانونياً مجرداً، بل تشريع يرتبط بالأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، ويمس بصورة مباشرة كل أسرة أردنية، وكل عامل وموظف وصاحب عمل، فضلاً عن الشباب والمتقاعدين.
وأوضح القاضي أن إحالة المشروع إلى اللجنة المختصة ستفتح الباب أمام حوار وطني موسع، يشمل النقابات العمالية والمهنية، والأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والخبراء والاقتصاديين، وغرف التجارة والصناعة، وممثلي أصحاب العمل، في محاولة لتوسيع قاعدة النقاش وتبديد المخاوف المتصاعدة.
اعتراضات تحت القبة… واتهامات بتضييق النقاش
غير أن قرار رفع الجلسة بعد التصويت على الإحالة لم يمر بهدوء، إذ عبّر عدد من النواب عن اعتراضهم على آلية إدارة الجلسة، معتبرين أن حجم الجدل الشعبي والنيابي حول مشروع القانون كان يقتضي استمرار النقاش تحت القبة، لا الاكتفاء بالإحالة السريعة إلى اللجنة.
ورأى معترضون أن مشروعاً بهذا الثقل، والذي يمس الغالبية الساحقة من الأردنيين، يحتاج إلى نقاش موسع في الهيئة العامة، قبل أن ينتقل إلى المطبخ التشريعي، خاصة في ظل ما يثار من مخاوف تتعلق بشروط التقاعد المبكر، وعدد الاشتراكات، ونسب الاقتطاع، وتأثيرها المباشر على المشتركين والمتقاعدين.
بين الاستدامة والعدالة… معادلة معقدة
في المقابل، شدد نواب آخرون على أن المسؤولية الوطنية تفرض الموازنة بين حق المواطن في الأمان الاجتماعي، وواجب الدولة في الحفاظ على أموال صندوق الضمان واستدامته. وأكدوا أن الدراسات الاكتوارية يجب أن تكون حاضرة بقوة في أي تعديل، حفاظاً على ديمومة المؤسسة، دون المساس بحقوق المؤمن عليهم.
وطرح نواب مطالب واضحة، أبرزها رفع الحد الأدنى للراتب التقاعدي، ووضع آلية أكثر جاذبية ووضوحاً للاشتراك الاختياري، بوصفه مصدراً مهماً لتعزيز إيرادات الصندوق. وفي الوقت ذاته، أشاروا إلى وجود نقاط إيجابية في المسودة، من بينها استحداث منصب محافظ للمؤسسة، وفصل إدارة الاستثمار، وتوسيع مظلة الشمول لتضم فئات جديدة.
إعادة هيكلة بنموذج "المركزي”
ومن أبرز ملامح المشروع، إعادة هيكلة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي بما يحاكي نموذج البنك المركزي، عبر تعيين محافظ بقرار من مجلس الوزراء مقترن بالإرادة الملكية السامية، مع تحديد واضح لمهامه وصلاحياته، ما يعني أن وزيراً في الحكومة لن يرأس مجلس إدارة المؤسسة كما كان معمولاً به سابقاً. كما ينظم المشروع شروط التقاعد، بحيث يصبح التقاعد الوجوبي هو الأساس والمبكر هو الاستثناء، في إطار السعي لتعزيز الاستدامة المالية للنظام التأميني.
وكان مجلس الوزراء قد أقر، في 17 من الشهر الجاري، الأسباب الموجبة لمشروع القانون، مؤكداً أن الهدف يتمثل في تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، وتحقيق التوازن بين حقوق المؤمن عليهم، وضمان استدامة النظام التأميني على المدى الطويل.
اختبار ثقة… قبل أن يكون نصاً قانونياً
المحصلة أن الجلسة لم تكن مجرد قراءة أولى لمشروع قانون، بل شكلت اختباراً مبكراً لمدى الثقة بين الشارع والبرلمان والحكومة في ملف يمس الأمن الاجتماعي مباشرة. فالضمان الاجتماعي ليس أرقاماً اكتوارية فحسب، بل عقداً اجتماعياً بين الدولة والمواطن.
وبين من يرفع شعار الاستدامة، ومن يتمسك بأولوية العدالة الاجتماعية، يبقى مشروع القانون أمام امتحان صعب في اللجنة المختصة، التي ستتحول في الأسابيع المقبلة إلى ساحة نقاش وطني مفتوح، عنوانه الأبرز: كيف نحمي أموال الضمان… دون أن نهز ثقة الناس به؟













