2026-03-04 - الأربعاء
banner
كتّاب جهينة
banner

إيران… الجار اللدود بين البراغماتية وحافة المواجهة

{clean_title}
جهينة نيوز - المهندس عامر الحباشنة
في ظل المواجهة الجارية حاليًا بين الولايات المتحدة والكيان من جهة، وإيران من جهة أخرى، يعود السؤال القديم المتجدد حول العلاقة بين ضفتي الخليج: الضفة الشرقية التي تتربع عليها إيران، والضفة الغربية التي تحتضن دول الخليج العربي وامتدادها العربي.
تاريخيًا، لم تكن العلاقة بين الضفتين مستقرة؛ فقد اتسمت بالتنافس والصراع، سابقًا للإسلام ولاحقًا له، وصولًا إلى القرن الأخير الذي شهد تحولات عميقة في الدور الإيراني. فمن دولة اعتمدها الغرب شرطيًا للمنطقة، إلى ثورة إسلامية بقيادة آية الله الخميني أعادت تعريف موقع إيران، ليس كحارس للنظام الإقليمي، بل كفاعل يسعى لقيادته وضبط إيقاعه.
ذلك التحول قاد إلى صدام الثماني سنوات مع العراق، صدام غذّته حسابات دولية وإقليمية، وانتهى بخسارة مزدوجة للمنطقة واستنزاف شامل للطرفين. كان الجوار قدرًا لا يمكن الفكاك منه، لكن إدارة هذا القدر تباينت بين المصالح الاستراتيجية المشتركة والطموحات الخاصة لكل طرف. هذا التباين هو ما أطال أمد الحرب حتى لحظة "تجرّع السم”، وهو ذاته ما أفرز لاحقًا اختلاف المقاربات تجاه القضايا الإقليمية.
تبنت إيران بعد الثورة خطابًا ثوريًا رسميًا تجاه القضية المركزية في المنطقة، ما وضعها في حالة تعارض مع المسار العربي – مع تفاوت المواقف العربية ذاتها. إلا أن الإيرانيين، في محطات عديدة، أظهروا قدرة أكبر على البراغماتية والاستدارة وإدارة التناقضات. ففي حين بدت العراق أكثر حدّة وأقل مرونة، ما قادها إلى انكشاف استراتيجي انتهى بالاحتلال، اتسمت دول ما عُرف لاحقًا بـمجلس التعاون لدول الخليج العربية بواقعية عالية، يصفها البعض بالتبعية، ويصفها آخرون بالبراغماتية الحذرة.
نجحت إيران في إدارة عملية تفاوضية غير مسبوقة مع الغرب والولايات المتحدة، تخللها تجنب الصدام أحيانًا وتأجيله أحيانًا أخرى، كما في الاتفاق النووي ومفاوضات الترويكا الطويلة. كما تعاونت مرحليًا في ملفات كاحتلال العراق وأفغانستان، وتنافست في مراحل أخرى، خاصة خلال ما عُرف بالربيع العربي، سواء عبر تدخل مباشر أو عبر الأذرع الإقليمية.
بهذه الثنائية – الثورية في الخطاب، والبراغماتية في السلوك – استطاعت إيران إطالة عمر مشروعها وتجنب لحظة الصدام الكبرى.
غير أن العامين الأخيرين حملا مؤشرات انسداد استراتيجي بعد خسارات إقليمية متتالية في لبنان وسوريا، وبنسب متفاوتة في بغداد وصنعاء. ما استدعى فتح صفحة جديدة من تطبيع العلاقات مع الجار السعودي والخليجي عمومًا، صفحة وصلت إلى مرحلة باتت فيها المواقف الخليجية الرسمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، أكثر وضوحًا في الوساطات ورعاية الحوارات، بما في ذلك مع الأمريكيين.
لكن ما جرى هذا العام، وخاصة بعد مواجهة الأيام الاثني عشر الماضية، يعاكس المسارات السابقة. فهل حانت لحظة الحقيقة المؤجلة؟ أم أن إيران – كما حدث مع العراق سابقًا – استُدرجت إلى فخ المواجهة بعد انتهاء الحاجة إليها في إدارة توازنات الصراع؟ أم أن الكيان استثمر اللحظة الأمريكية لدفع المنطقة نحو مواجهة صادمة؟
السؤال الأهم: إذا كان التصعيد قد فُرض، فكيف ستتطور الأمور؟ وهل يتسق أي سلوك إيراني يدفع نحو زج دول الخليج في المواجهة مع نهجها السياسي السابق القائم على المناورة وتجنب الانكشاف؟ أم أنها بلغت مرحلة انكشاف استراتيجي شبيه بما وقعت فيه العراق بعد الثاني من آب 1990؟
في البعد الاستراتيجي، لا مصلحة لصدام إيراني–خليجي، ولا بإقحام الأردن في مثل هذه المواجهة. وهذا ما عبّرت عنه دول الخليج بوضوح. وإيران، مهما اختلفنا أو اتفقنا معها، تبقى دولة جارة ومركزية في الإقليم، وليست كيانًا طارئًا. والخلاف معها تحسمه المصالح المشتركة لا الإقصاء الكامل، لأن غياب قوة إقليمية مركزية يفتح الباب أمام سيطرة قطبية أوسع، لا تعود على المنطقة بخير.
الأيام المقبلة حاسمة. فهل نحن أمام نهاية مرحلة إيران كما عرفناها خلال العقود الأربعة الماضية؟ أم أن "حائك السجاد” ما زال يملك خيطًا أخيرًا للاستدارة، ينحني للعاصفة ثم ينهض من جديد؟
ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 
 
 
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير