2026-02-25 - الأربعاء
banner
كتّاب جهينة
banner

سن التقاعد إلى 65 عامًا… قراءة هادئة في أبعاد القرار وتداعياته

{clean_title}
جهينة نيوز -
د. بشير الدعجه.

لم يكن الحديث عن رفع سنّ التقاعد في الأردن من 60 إلى 65 عامًا مجرّد تعديلٍ رقمي في نصّ قانوني… بل تحوّل إلى شرارة نقاشٍ وطني واسع… وغضبٍ شعبي مفهوم… وتساؤلاتٍ حادّة حول العدالة… والاستدامة… وكرامة العامل بعد رحلة عمر طويلة في الخدمة.

المواطن الذي بدأ عمله في العشرين… وأمضى أربعين عامًا بين مكتبٍ وورشةٍ وميدان… لم يكن ينتظر في نهاية الطريق تمديدًا جديدًا لخمسة أعوام إضافية… بل كان يترقّب لحظة استراحة مستحقّة… وهدنةً مع الجسد المتعب… وفرصةً ليعيش ما تبقّى من عمره بطمأنينة.

الاحتجاجات التي شهدتها مواقع التواصل… والنقاشات الساخنة في المجالس والمنتديات… لم تأتِ من فراغ… بل من شعورٍ عميق بأن القرار يمسّ حياة الناس مباشرة… ويمدّد سنوات القلق بدل أن يمدّد سنوات الأمان.

لماذا يعترض الناس؟
'''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''

الاعتراض ليس تمرّدًا على فكرة الإصلاح… بل اعتراضٌ على التوقيت… وعلى السياق… وعلى غياب الحزمة المتكاملة المصاحبة لأي تعديل بهذا الحجم.

سوق العمل في الأردن يعاني أصلًا من بطالة مرتفعة… وفرص محدودة لمن تجاوزوا الخمسين… ومنافسة شرسة بين الأجيال. حين تُمدَّد سنوات بقاء الموظف في موقعه خمس سنوات إضافية… فإن ذلك يعني عمليًا تأخير فرص شاب ينتظر دوره… ويعني كذلك بقاء موظف مرهق في موقع ربما لم يعد يحتمل طاقته الجسدية.

كثيرون يتساءلون… هل المشكلة فعلًا في سنّ الستين… أم في إدارة الموارد… أم في اختلالات أعمق داخل أنظمة التوظيف والاستثمار؟
الناس تريد إجابة واضحة… لا أرقامًا عامة… ولا عبارات مطمئنة.

هل القرار منسجم عربيًا وعالميًا؟
''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''’'''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''
إذا نظرنا عربيًا… سنجد أن غالبية الدول ما زالت تدور حول سن 60 عامًا… مع وجود دول رفعت السن إلى 62 أو 65 تدريجيًا… خصوصًا في الخليج وبعض الاقتصادات الأكبر.
أما أوروبيًا… فالصورة مختلفة. في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا يصل سن التقاعد إلى 66 أو 67 عامًا… بل ويتجه للارتفاع أكثر.

لكن المقارنة الرقمية وحدها لا تكفي. هناك فرق بين اقتصاد قوي يوفر ضمانات صحية شاملة… وسوق عمل مرن… ومستوى دخل مرتفع… وبين اقتصاد يواجه تحديات بطالة وغلاء معيشة وضغطًا على الطبقة الوسطى.
رفع السن في أوروبا جاء ضمن منظومة متكاملة… دعم صحي… تأمين بطالة… مرونة في العمل الجزئي… برامج إعادة تأهيل مهني. السؤال الجوهري… هل البيئة المحلية مهيّأة بذات القدر؟.

بين الضرورة والعدالة.
''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''

من الناحية الاقتصادية البحتة… يمكن تفهّم حجة الاستدامة. متوسط الأعمار يرتفع… وعدد المشتركين الجدد لا يوازي دائمًا عدد المتقاعدين… وصناديق التقاعد في العالم كله تواجه ضغوطًا.

لكن الإصلاح حين يمسّ لقمة العيش يجب أن يكون دقيقًا… مرحليًا… مصحوبًا بحوار وطني واسع… وضمانات واضحة لمن هم على أعتاب التقاعد.

القرار إن طُبِّق بلا شبكة أمان حقيقية… قد يُنظر إليه كتحميلٍ مباشر للمواطن كلفة الاختلالات… أما إن جاء ضمن رؤية شاملة… بتحفيز الاستثمار… وتوسيع فرص العمل… وتحسين بيئة التوظيف لكبار السن… فسيكون جزءًا من حل طويل المدى.

رأيي بوضوح.
'''''"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""

رفع سنّ التقاعد إلى 65 عامًا ليس بدعة عالمية… لكنه في السياق الأردني يحتاج إلى أكثر من نصّ قانوني. يحتاج إلى شرح صريح… وأرقام شفافة… وضمانات اجتماعية واضحة.

الناس لا ترفض الإصلاح… لكنها ترفض أن تكون الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح.
الستّون عامًا في وجدان الأردني ليست رقمًا عابرًا… بل محطة عمر… وموعدًا مؤجلًا للراحة… وحلمًا صغيرًا بعد عقود من الالتزام. أي مساس بهذه المحطة يجب أن يكون محسوبًا… عادلًا… ومقنعًا لا مفروضًا.

خلاصة القول … القضية ليست بين 60 و65… بل بين الثقة والقلق… بين الشراكة والإملاء… بين الإصلاح المتوازن والإجراء المنفرد.
وحين يشعر المواطن أن صوته مسموع… وأن كرامته محفوظة… وأن مستقبله مؤمَّن… عندها فقط يتحوّل الجدل إلى تفاهم… والاحتجاج إلى قبول...وللحديث بقية.

تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير