الشاعر حميد سعيد البراءة لا تحمي اصحابها ٠
بقلم الكاتب غانم السامرائي:
في قصيدته الأثيرة على نفسه، تحوّلات، لا يقدّم الشاعر العراقي الكبير حميد سعيد حكايةً عابرة عن بائعٍ متجوّل أو عن طفلةٍ تنمو على مهل، بل ينسج نسيجًا إنسانيًا مكثّفًا، تتراكب فيه الأزمنة وتتقاطع المصائر، حتى تغدو التفاصيل اليومية مرايا لأسئلة الوجود الكبرى. فالشخصيات هنا لا تؤدّي أدوارًا سردية فحسب، بل تنهض بوصفها علامات على تحوّلات العمر، والفقر، والبراءة، والخذلان، وعلى ذلك التدفّق الصامت للزمن وهو يمضي غير عابئ بثبات الأشياء أو هشاشتها.
ولا يبدو عنوان القصيدة توصيفًا خارجيًا أو تسمية غير مقصودة، بل مفتاحًا دلاليًا عميقًا يوجّه القراءة منذ لحظتها الأولى نحو جدلية التغيّر والثبات، بوصفها قدرًا إنسانيًا لا فكاك منه. فكل شيء في القصيدة يتحرّك، ينمو، يشيخ، أو يندثر، فيما يقف الشاعر/الراوي عند تخوم هذا التحوّل، شاهدًا لا يكتمل اندماجه، وكأن وعيه هو الثابت الوحيد في عالمٍ يتبدّل باستمرار.
من هنا، تتجاوز القصيدة حدود السرد الواقعي لتغدو تأمّلًا شعريًا في معنى التحوّل ذاته: هل هو قانون الزمن أم جرح الذاكرة؟ هل هو خلاص الكائن أم خيبته المتكرّرة؟ وفي هذا الأفق، لا تعود التحوّلات مجرّد انتقالات في العمر أو الحال، بل تصبح اختبارًا للوعي، ومساءلةً خفيّةً لعلاقة الإنسان بزمنه، وبما يفقده وهو يظنّ أنه يمضي إلى الأمام.
أولًا: بنية التكرار وثبات المكان
يفتتح النص بجملة تتكرّر كلازمة وجودية:
حيثُ يجلسُ كلَّ صباحٍ…
لا يؤدي هذا التكرار وظيفة إيقاعية فحسب، بل يرسّخ ثبات المكان والذات في مقابل تحوّل الزمن. الكرسي، الصباح، الجلوس: كلها علامات على سكونٍ شبه قدري، كأن الشاعر عالق في نقطة واحدة من الوجود، بينما تمرّ الحياة أمامه، تتبدّل، تكبر، تثقل، ثم تعود في صورةٍ أخرى.
إننا أمام شخصية شاهدة لا فاعلة، وجودها أخلاقيّ أكثر منه عمليًّا؛ تعطي القليل، تشير، تصمت، لكنها لا تغيّر المسار.
ثانيَا: الطفلة بوصفها رمزًا للبراءة والزمن
ليست الطفلة في المقطع الأول فردًا محدّدًا، بل علامة للبراءة والفقر والاحتمال. تبيع ’أيَّ شيء’ ، لا لأن لها بضاعة، بل لأن الفقر يبيع كلّ ما يمكن بيعه، حتى الوهم.
وهو قليلُ قليل
ويعرفُ.. أن ليس شيئًا من المال
يأتي به الغيب’
هنا يتجلّى وعي الشاعر المأساوي: العطاء لا يغيّر المصير، والنيّة الطيبة لا تُلغِي قسوة العالم. المال لا يأتي بالغيب، والبراءة لا تحمي أصحابها.
وعندما يقول لها:
بالإشارة.. لا مالَ عندي
تخاصمه ،،،والمفارقة أن البراءة نفسها تحتجّ، كأن الفقر لا يعترف بالأعذار الأخلاقية.
ثالثًا: التحوّل الجسدي والسلطوي للأنثى
في المقطع الثاني، تتحوّل الطفلة إلى ’صبيّة’، ويتحوّل ميزان العلاقة:
تبيعُ لهُ ما تشاءُ.. لا ما يشاء
هنا ينتقل الفعل من المتلقّي إلى الفاعل، ومن العفوية إلى الاختيار. ولم تعُد الأنثى موضوعًا للرعاية، بل ذاتًا تمارس سلطة خفيّة، حتى وإن كانت سلطة البيع الهشّ.
العبارة اللافتة:
تخفي مفاتنها
تكشف وعي الشاعر بالتحوّل الجسدي، وبالمنطقة الحرجة بين الطفولة والأنوثة. لكنه وعي مراقِب، حذر، أخلاقي، لا ينزلق إلى التشييء، بل يظل مشدودًا إلى دهشة الزمن:
تزهو بما اكتنزت من عجائب أمر النساء
إنها أنوثة مكتسبة، متعلّمة، تشكّلت قسرًا في مدرسة الفقر.
رابعًا: الذروة المأساوية – اكتمال التحوّل
التحوّل الأخير هو الأثقل دلاليًا:
لقد ثقلت
وتأتي..
تُشيرُ إليه
وهي تحملُ طفلًا
الثقل هنا ليس جسديًا فقط، بل وجوديّ وأخلاقيّ. لقد دخلت الطفلة دائرة التكرار نفسها التي كان الشاعر يراقبها: الفقر يُورّث الفقر، والطفولة تُنجب طفولة أخرى مهدّدة.
والذروة العاطفية تتكثّف في جملة واحدة:
تقولُ له ولدي
بهذه الكلمة، يُلقى على الشاعر عبءٌ رمزيّ لم يختره: الأبوّة المعنوية، أو مسؤولية الشاهد الذي لم يكن قادرًا إلا على الجلوس والعطاء القليل.
خامسًا: البعد الأخلاقي والاعتراف المرّ
القصيدة لا تُغلق بحكمةٍ مباشرة، بل باعتراف إنساني جارح:
كُنتَ أبًا طيّبًا..
وكلُّ الذي كان بيني وبينكَ..
يا سيدي.. إننا فقراء
هنا يبلغ النص قمته الأخلاقية، فالفقر ليس حالة اقتصادية فقط، بل علاقة ناقصة مع العالم. كل ما كان بينهما – العطاء، النظرات، الصمت – لم يكن كافيًا أمام بنية الحرمان.
إن عبارة ’كنتَ أبًا طيبًا’ ليست مدحًا بقدر ما هي إدانة رقيقة للعجز: طيبة بلا قدرة، وإنسانية بلا خلاص.
سادسًا: الثيمات الكبرى وتحولاتها الدلالية
ثيمة الزمن: من العابر إلى التراكمي
الزمن، في هذه القصيدة، ليس خطيًا، بل تراكميٌّ دائريّ. يتجلّى ذلك في التكرار اللافت لعبارة:
حيثُ يجلسُ كلَّ صباحٍ
هذا الصباح المتكرر لا يحمل بداية جديدة، بل يراكم الأعمار والخيبات. إننا إزاء زمنٍ لا يُحدِث قطيعة، بل يضيف ثِقَلًا على الوجود. لذلك تأتي الأفعال الدالة على التحول:
كبرت – تغيب طويلًا – لقد ثقلت
بوصفها علامات زمنية لا تُعلن التقدّم بقدر ما تُعلن الاستنزاف. الزمن هنا ليس خلاصًا، بل أداة كشف قاسية.
2. ثيمة الفقر: من الحاجة إلى المصير
ليس الفقر في القصيدة حالة اقتصادية عابرة، بل قدرٌ بنيوي يعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال. يتجلّى ذلك في انتقال الطفلة من بائعةٍ صغيرة إلى أمٍّ تحمل طفلًا وتعود إلى الموضع ذاته.
والجملة المفتاحية:
إننا فقراء
تأتي بصيغة الجمع، لتخرج من الإطار الفردي إلى الجماعة المأزومة، وكأن المتكلمة لا تمثل نفسها وحدها، بل طبقة كاملة محكومة بالتكرار.
واللافت أن الفقر لا يُقدَّم عبر صور فجّة، بل عبر اقتصاد لغوي صارم: القليل، الإشارة، الغياب، البيع لما لا نفع فيه. هذا التقشّف الأسلوبي يحاكي تقشّف الواقع ذاته.
3. ثيمة الأنوثة: من البراءة إلى العبء
الأنوثة هنا ليست رومانسية ولا مثالية، بل تكوّن قسري في ظل الفقر. والطفلة لا تُمنح زمن الاكتشاف الحر، بل تُدفع إلى اختصار الطريق:
تزهو بما اكتنزت من عجائب أمر النساء
حيث يوحي الفعل ’اكتنزت’ بتراكم غير طبيعي، وبمعرفةٍ جاءت قبل أوانها. وحين تصل الأنوثة إلى ذروتها البيولوجية:
وهي تحملُ طفلًا
لا تُقدَّم بوصفها اكتمالًا، بل بوصفها ثِقَلًا وجوديًا، حيث يتحوّل الجسد إلى حامل لمصير آخر، لا خيار فيه.
4. ثيمة الشاهد الأخلاقي والعجز الإنساني
الراوي ليس منقذًا، ولا متواطئًا، بل شاهد أخلاقي عاجز. يمنح، يراقب، يعرف محدودية فعله:
ويعرفُ.. أن ليس شيئًا من المال
يأتي به الغيب
هذا الوعي لا يمنحه سلطة، بل يضاعف شعوره بالعجز. وهو ما يجعل العبارة الختامية:
كنتَ أبًا طيبًا
تحمل مفارقة موجعة: الأبوة بلا قدرة، والنية بلا أثر تحويلي.
سابعًا: الأدوات الشعرية والبناء الموسيقي
1. التكرار بوصفه تقنية دلالية وموسيقية
التكرار في القصيدة ليس زخرفيًا، بل بنية مركزية. فتكرار:
حيثُ يجلسُ كلَّ صباحٍ
تبيعُ له ما تشاء.. لا ما يشاء
يخلق إيقاعًا دائريًا يعكس دوران المصير، ويحوّل الجملة إلى ما يشبه اللازمة الموسيقية التي تعود محمّلة في كل مرة بدلالة جديدة.
2. الإيقاع الداخلي وكسر التوقّع
القصيدة مكتوبة على نثرٍ إيقاعيّ يعتمد على:
الجمل القصيرة
الوقفات (…)
المساحات البيضاء
هذا التفتيت المقصود للنص يخلق إيقاعًا متقطّعًا يشبه أنفاس الحياة المرهقة، ويمنح القارئ مساحة للتأمّل الصامت، كما لو أن البياض جزء من المعنى.
3. الاقتصاد البلاغي والصورة غير المباشرة
يتجنّب الشاعر الاستعارة الصاخبة، ويعتمد على الانزياح الخفيف:
الإشارة بدل الكلام
الثقل بدل الحمل
الجلوس بدل الفعل
ومن شأن هذه الاختيارات أن تجعل الصورة أكثر إنسانية وأقل ادّعاءً، وتُبقي النص قريبًا من التجربة الأصلية دون تزييف جمالي.
4. المفارقة البنيوية
من أهم الأدوات الشعرية في النص المفارقة:
الطفلة تبيع ’أي شيء’
الصبية تبيع ’ما تشاء’
الأم تبيع ’ما تشاء’ أيضًا، ولكن وهي تحمل طفلًا
الفعل واحد، لكن المعنى يتحوّل جذريًا. هذه المفارقة تصنع تاريخًا كاملًا من التحوّل داخل فعل يومي بسيط.
الخاتمة
تقدّم قصيدة "تحوّلات” نصًا بالغ العمق في شعرية الزمن الاجتماعي، إذ تنجح في تحويل تجربة فردية محدودة في ظاهرها إلى مرآةٍ كونية تعكس هشاشة الوجود الإنساني، وما يتقاطع فيه من فقرٍ، وأنوثةٍ، وبراءةٍ، وعجزٍ متوارٍ خلف إيقاع الحياة اليومية. فهي لا تشتغل على الحدث بوصفه واقعةً معزولة، بل على أثره الزمني والأخلاقي، وعلى ما يخلّفه في الوعي حين يتحوّل العابر إلى قدر.
وتأتي لغة القصيدة هادئةً، شفيفةً، متحرّرة من البلاغة الصاخبة ومن الإيماءة الخطابية، لكنها في الوقت ذاته مشبعة بإيحاءات فلسفية وأخلاقية عميقة، تنبع من الاقتصاد اللغوي لا من التزيين اللفظي. إن هذه اللغة لا تُغري القارئ بانفعال سريع، بل تدعوه إلى تأمّلٍ بطيء، وإلى مشاركة الشاعر صمته وهو يراقب العالم يتبدّل من حوله.
وهكذا، لا تصرخ القصيدة ولا تحتجّ، بل تجلس كل صباح في المكان ذاته، وتترك للقارئ أن يرى ما رآه الشاعر: أن الزمن يمضي بلا اكتراث، وأن الوجوه تتغيّر، والأعمار تنقضي، غير أنّ الفقر، بوصفه بنيةً لا حالة، يبقى ثابتًا، عصيًّا على التحوّل. وفي هذا الثبات القاسي، تكمن المفارقة الكبرى التي تمنح النص قوّته ومراراته معًا، وتحوّله من قصيدة عن التحوّل إلى شهادةٍ شعرية على ما لا يتغيّر.
إن قصيدة "تحوّلات” للشاعر حميد سعيد عملٌ شعريٌّ رفيع يقوم على جمالية الصمت، واقتصاد اللغة، وبناء الزمن الأخلاقي. إنها قصيدة لا تراهن على الدهشة البلاغية، بل على التراكم الشعوري، وعلى موسيقى خافتة تشبه وقع الخطوات اليومية للفقراء.
إنها قصيدة تقول، بهدوءٍ موجع، إن أكبر التحوّلات لا تحدث في الأحداث الكبرى، بل في الوجوه التي تمرّ كل صباح… وتعود.












