banner
سيدتي
banner

موائد رمضان تجمع السعوديين من تبوك الى جدة

{clean_title}
جهينة نيوز -

قبل أن تختلف الجغرافيا وتتنوع التفاصيل. ثمة عادة رمضانية واحدة تتصدر المشهد في السعودية. وتكاد تجمع المدن من أقصاها إلى أقصاها. فمع اقتراب أذان المغرب. تمتد مائدة الإفطار الجماعية أمام المساجد وفي الساحات والأحياء. لتصبح مساحة مشتركة يتقاسم فيها الناس الطعام والدعاء واللحظة ذاتها. في صورة تختصر روح الشهر الكريم وقيم التكافل التي تشكل جوهره.

ومن هذه المائدة الجامعة. تبدأ الحكاية الرمضانية في المملكة. حكاية تمتد من تبوك في أقصى الشمال. حيث تمتزج الصحراء ببرودة المساء ودفء العلاقات. إلى جدة على الساحل الغربي. حيث يعانق البحر تفاصيل الحياة اليومية. وتتجلى ليالي رمضان في صور متعددة. تختلف ملامحها وتتوحد روحها.

ففي تبوك. يتحول رمضان إلى حالة اجتماعية كاملة. تتجسد في دفء العلاقات وروح التكافل التي تسبق أذان المغرب بدقائق. وفي جدة. تستقطب المدينة التراثية الزوار من كل حدب وصوب للاستمتاع بالفعاليات المتنوعة. كما يتحول الكورنيش إلى قلب نابض بالحياة بعد الإفطار. حيث تلتقي العائلات تحت أضواء الواجهة البحرية. في تجمعات تمتد إلى ساعات متأخرة.

حالة اجتماعية كاملة

ورغم اختلاف الجغرافيا بين الشمال والغرب. فإن القاسم المشترك يظل واحدا. وهو مائدة عامرة بالتراث. وأياد تمتد بالعطاء. ومدن تتبدل إيقاعاتها لتعلن أن رمضان ليس مجرد شهر. بل هو زمن اجتماعي متكامل تتجدد فيه الروابط وتصان فيه القيم.

أحمد الدهيلان. أحد أبناء تبوك. يصف رمضان في مدينته قائلا: "رمضان هنا ليس مجرد صيام. إنه حالة اجتماعية كاملة. تشعر أن المدينة كلها تتحول إلى بيت واحد. وأن الأسواق. والمساجد. وحتى الأزقة القديمة. تنبض بإيقاع مختلف".

ومع اقتراب الساعة الخامسة مساء. تبدأ ملامح التحول في أسواق تبوك. حيث تتكدس عربات التسوق. ويعلو صوت الباعة وهم يعرضون التمور والبهارات والحلويات الشعبية. ويزداد الزحام كلما اقتربت الشمس من الأفق. وكأن الجميع يسابق لحظة الأذان.

موائد إفطار جماعية

يضيف أحمد: "الأسواق قبل الإفطار مشهد لا يتكرر في بقية السنة. ترى الأب يحمل أكياس الخبز. والأم تختار الخضار الطازجة. والأطفال يلحون لشراء العصائر والحلوى رغم الازدحام. هناك روح من الصبر والتسامح. كأن الناس يدركون أن هذا التعب جزء من طقوس الشهر".

في هذه اللحظات. لا يكون السوق مجرد مكان للبيع والشراء. بل مساحة اجتماعية حية. تتبادل فيها التحيات والدعوات. ويسأل الغريب عن حاجته قبل القريب.

وحين يرفع الأذان. تهدأ الضوضاء فجأة. وتتحول البيوت إلى مساحات من السكينة. وفي تبوك. لا تخلو المائدة الرمضانية من أطباق تقليدية متوارثة. وتحرص الأسر على إعدادها جيلا بعد جيل.

جدة التاريخية

يؤكد أحمد أن هذه الأطعمة هي بمثابة ذاكرة. وحين نتذوق الجريش مثلا. نتذكر جداتنا وهن يقفن أمام القدور الكبيرة. ونستعيد قصصا قديمة تروى مع كل لقمة.

وفى عدد من أحياء تبوك. تمتد موائد الإفطار الجماعية أمام المساجد أو في الساحات العامة. ومائدة الرحمن ليست مجرد مبادرة موسمية. بل تقليد راسخ يعكس قيمة التكافل الاجتماعي.

ويتسابق الأهالي على التبرع بالطعام والشراب. ويحرص البعض على الحضور بأنفسهم لتوزيع الوجبات ويجلس المقيم بجوار المواطن. والعابر بجوار ابن الحي. في مشهد تختفي فيه الفوارق.

المائدة الجداوية

أما محمد فقيه. أحد أبناء جدة. فيقول إن هناك منطقتين تمثلان الوجهة الأكبر للمواطنين خلال شهر رمضان المبارك. وهما منطقة البلد أو جدة التاريخية والكورنيش. مشيرا إلى أن كل واحدة منهما تعكس جانبا مختلفا من روح المدينة وهويتها الرمضانية.

وينقل التجول في ممرات البلد الضيقة الزائر إلى الماضي في رحلة زمنية فريدة. حيث يشتهر الحي بمعماره الفريد. فالمباني تشيد من حجر المرجان وتزين بنوافذ خشبية مشبكة تعرف باسم " الرواشين" كما أن بعض هذه المباني يعود تاريخها لأكثر من 500 عام. وهي تعكس براعة الحرفيين وذوق الأجداد الجمالي. فضلا عن مكانة جدة التاريخية كمحطة تجارية وثقافية بارزة عبر العصور.

وخلال شهر رمضان تكثر الزيارات لهذه المنطقة التاريخية حيث تنتشر البيوت التراثية الشهيرة مثل بيت نصيف وبيت المتبولي. والتي تعكس نمط الحياة الحجازية التقليدية. إلى جانب الأسواق الشعبية النشطة مثل سوق العلوي وسوق قابل. والتي يعرض فيها التجار البهارات والمنسوجات والمنتجات اليدوية.

وفي سياق متصل. أكد فقيه أن الكورنيش. ذلك الامتداد الساحلي المضيء على ضفاف البحر الأحمر. يظل عنوانا بارزا لرمضان في المدينة. والوجهة التي تكشف روحها الحقيقية. موضحا أن من يريد أن يرى جدة كما يعرفها أهلها في هذا الشهر. فليأت إلى الكورنيش بعد الإفطار.

وتسبق المائدة الجداوية الخروج إلى البحر. فهي لحظة لا تقل أهمية عن نزهة المساء. حيث يتصدر السفرة الفول والتميس كعادة ثابتة لا تتغير. ثم تأتي الشوربات والسمبوسة التي لا تخلو منها أي مائدة. إضافة إلى اللقيمات الذهبية والسوقودانة وهي حلوى تشبه الأرز بالحليب لكنها بطابع حجازي خاص والسوبيا.

وهذه الأطباق ليست مجرد أصناف طعام. بل ذاكرة متوارثة تعيد الجميع إلى مشهد الطفولة حين كانت الأسرة تلتف حول سفرة واحدة في انتظار صوت الأذان.

وأوضح فقيه أن الكورنيش يستعيد حيويته سريعا مع انتهاء الإفطار. فيتحول إلى مساحة واسعة تجمع العائلات من مختلف الأعمار؛ فالأطفال يركضون على الممرات. والشباب يتجمعون في حلقات حديث. بينما يجلس الآباء على المقاعد المطلة على البحر يتأملون الأفق.

وأضاف أن أجمل لحظات اليوم تبدأ بعد المغرب. حين تختلط نسائم البحر بالإنارة الممتدة على طول الواجهة البحرية. فيبدو المكان وكأنه احتفال مفتوح. كما تزدحم المقاهي بروادها الباحثين عن شاي الجمر أو القهوة العربية. وتمتد الجلسات حتى ما قبل السحور.

تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير