هل يصب سيميوني جهوده على الكأس أم دوري الأبطال؟
أتلتيكو تحت الضغط أمام جاهزية برشلونة
ميناس بني ياسين
يعيش أتلتيكو مدريد واحدة من أكثر فتراته حساسية وتعقيدًا هذا الموسم في ظل ازدحام الاستحقاقات المصيرية وتراجع هامش الخطأ إلى أدنى مستوياته، وسط ضغوط جماهيرية وإعلامية متزايدة، وشائعات قوية تتحدث عن إمكانية اقتراب نهاية حقبة المدرب الأرجنتيني دييغو سيميوني مع الفريق، بعد مسيرة امتدت منذ عام 2011 وشكلت المرحلة الأبرز في تاريخ النادي الحديث.
يدخل أتلتيكو هذه المرحلة الحاسمة وهو يحتل المركز الثالث في ترتيب الدوري الإسباني في صراع مفتوح ومحتدم لضمان بطاقة التأهل المباشر إلى دوري أبطال أوروبا، في وقت يستعد فيه لخوض ملحق البطولة القارية أمام كلوب بروج البلجيكي، في مواجهتين لا تقبلان القسمة على اثنين، إذ باتت البطولة الأوروبية تمثل الأمل الأكبر للفريق في إنقاذ موسمه وتجنب الخروج بلا إنجازات تذكر.
وفي خضم هذه الضغوط يستضيف أتلتيكو مدريد الخميس برشلونة على ملعب واندا ميتروبوليتانو في ذهاب نصف نهائي كأس ملك إسبانيا في مباراة تتجاوز أهميتها مجرد التأهل إلى النهائي، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الفريق على الصمود ذهنيًا وبدنيًا وسط هذا الزخم من التحديات، هذا التزاحم في المواعيد يضع سيميوني أمام معضلة استراتيجية شديدة الحساسية، تتمثل في كيفية توزيع الجهد بين مختلف المسابقات، وما إذا كان سيغامر ببعض الجبهات من أجل التركيز على دوري الأبطال، خشية الخروج بموسم صفري قد تكون له تبعات كبيرة على مستقبله مع النادي.
في الجهة المقابلة يدخل برشلونة المواجهة بمعنويات مرتفعة واستقرار فني واضح إذ ينافس بقوة على لقب الدوري الإسباني ويحضر بقوة في كأس الملك، فضلًا عن تأهله المباشر إلى دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا، مستفيدًا من قائمة شبه مكتملة وجاهزية بدنية عالية لمعظم عناصره ورغم الغموض الذي يحيط بمشاركة البرازيلي رافينيا بسبب إصابة عضلية في الفخذ، فإن المدرب الألماني هانزي فليك يمتلك حلولًا هجومية متعددة تمنحه أفضلية فنية واضحة أمام أتلتيكو، الذي يعاني في المقابل من غيابات مؤثرة، أبرزها غياب بابلو باريوس، أحد أهم مفاتيح اللعب في وسط الميدان.
وتحمل المواجهة بين الفريقين طابعًا تاريخيًا خاصًا في بطولة كأس ملك إسبانيا حيث يتمتع برشلونة بأفضلية واضحة على صعيد المواجهات المباشرة فقد التقى الفريقان في 25 مواجهة إقصائية، نجح برشلونة في تجاوز أتلتيكو خلالها 16 مرة، مقابل 9 مرات فقط للفريق المدريدي وعلى مستوى إجمالي المباريات في البطولة، التقى الفريقان في 49 مناسبة، فاز برشلونة في 23 مباراة مقابل 16 انتصارًا لأتلتيكو، بينما حسم التعادل 10 مواجهات، وسجل الفريق الكتالوني 98 هدفًا مقابل 75 هدفًا لمنافسه كما شهدت هذه اللقاءات نتائج تاريخية لافتة، أبرزها فوز برشلونة مرتين بنتيجة 8-1، إحداهما شهدت تسجيل اللاعب الباراغواياني يولوغيو "كوكيتو" مارتينيز سبعة أهداف في مباراة واحدة، وهو رقم قياسي لا يزال صامدًا في تاريخ البطولة.
وتزداد تعقيدات المشهد بالنسبة لسيميوني مع تأكد غياب بابلو باريوس الذي تعرض لإصابة عضلية في الفخذ الأيمن خلال مواجهة فريقه الأخيرة أمام ليفانتي، حيث أثبتت الفحوصات الطبية حاجته إلى برنامج علاجي وتأهيلي دون تحديد موعد دقيق لعودته، ما يحرمه من المشاركة أمام برشلونة، وربما أمام كلوب بروج أيضًا في المقابل لا يزال موقف رافينيا مع برشلونة غير محسوم، إلا أن المؤشرات تميل إلى غيابه عن مواجهة الذهاب رغم محاولاته المكثفة للحاق بالمباراة.
وفي خضم هذه التحديات الفنية تتصاعد في الإعلام الإسباني والأوروبي تقارير قوية تشير إلى أن هذا الموسم قد يكون الأخير لسيميوني مع أتلتيكو مدريد، رغم أن عقده يمتد رسميًا حتى صيف عام 2027 وتحدثت صحف بارزة مثل "ماركا” و"The Guardian” و"Sports Mole” عن وجود توتر متزايد في العلاقة بين المدرب الأرجنتيني وإدارة النادي، إلى جانب خلافات حول سياسة التعاقدات والرؤية الفنية للمشروع المستقبلي، فضلًا عن بحث داخلي عن بدائل محتملة في حال الإخفاق وتشير هذه التقارير إلى شعور عام داخل أروقة النادي بأن المشروع بلغ مرحلة التشبع، وأن الفريق بات بحاجة إلى ضخ دماء جديدة على مستوى القيادة الفنية.
وتجعل هذه المعطيات من كل مباراة يخوضها أتلتيكو بمثابة استفتاء مباشر على مستقبل سيميوني لا سيما في حال الخروج من كأس الملك أو دوري أبطال أوروبا، حيث سيكون الفشل في تحقيق أي لقب هذا الموسم بمثابة ضربة موجعة قد تعجل برحيله بعد سنوات طويلة من الإنجازات والنجاحات.
ومن الناحية التحليلية تبدو خيارات سيميوني محدودة للغاية فالمنافسة على لقب الدوري الإسباني تبدو شبه مستحيلة في ظل الفوارق النقطية الحالية، فيما يمثل مشوار كأس الملك طريقًا بالغ الصعوبة في ظل قوة برشلونة واستقراره الفني وعليه، يبرز دوري أبطال أوروبا كفرصة واقعية أخيرة لإنقاذ الموسم، ما قد يدفع المدرب الأرجنتيني إلى اعتماد سياسة إدارة الجهد والمخاطرة المدروسة، مع إعطاء أولوية قصوى لمواجهتي كلوب بروج، باعتبار أن التأهل الأوروبي قد يكون طوق النجاة الأخير لتجنب موسم صفري بكل ما يحمله من تداعيات.
وفي المحصلة يقف أتلتيكو مدريد أمام منعطف مصيري، بين خيار موسم يُنقذ بإنجاز أوروبي يعيد الثقة للمشروع، أو نهاية محتملة لحقبة سيميوني الأكثر تأثيرًا في تاريخ النادي أما برشلونة فيدخل هذا المشهد بثقة وثبات، مدعومًا بقوة فنية وتكتيكية تجعله المرشح الأبرز لعبور نصف النهائي حيث إنها مواجهة تتجاوز كونها مباراة كرة قدم، لتتحول إلى صراع مشاريع، وضغط تاريخ، واختبار أعصاب في واحدة من أكثر ليالي الموسم سخونة وإثارة.













