banner
كتّاب جهينة
banner

من الخدمة إلى السياسة العامة: كيف تُدار الصحة في الأردن اليوم

{clean_title}
جهينة نيوز -

د. خالد العاص

لا يمكن التعامل مع القرارات الأخيرة لوزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور بوصفها إجراءات فنية منفصلة، بل بوصفها تعبيرًا عن مقاربة إدارية ذات أبعاد سياسية، تحاول إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن عبر قطاع يُعد من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على الثقة العامة.

فالقطاع الصحي في الأردن تجاوز منذ سنوات كونه ملفًا خدميًا تقليديًا، ليصبح ساحة اختبار لقدرة الدولة على إدارة الضغط الاجتماعي، وضبط الأولويات، وتحقيق قدر معقول من العدالة في الوصول إلى العلاج، في ظل موارد محدودة وطلب متزايد.

ويبرز في هذا السياق التوجّه نحو توحيد البروتوكولات العلاجية، خصوصًا في حالات الجلطات القلبية والدماغية، باعتباره انتقالًا واضحًا من إدارة ردّ الفعل إلى منطق التخطيط الصحي القائم على الزمن الحرج وجودة التدخل. ربط المستشفيات الطرفية بمراكز متخصصة تعمل على مدار الساعة لا يحمل بعدًا طبيًا فحسب، بل رسالة سياسية مفادها أن العدالة الصحية تُبنى عبر المسارات المتساوية، لا عبر الشعارات.

أما معالجة قوائم الانتظار الطويلة في تصوير الماموغرام والرنين المغناطيسي، فتعكس إدراكًا بأن التأخير في التشخيص ليس خللًا إداريًا فقط، بل مساسًا بحق أساسي وكرامة إنسانية. تحويل هذه المعضلة إلى مؤشر أداء قابل للقياس والمحاسبة يشير إلى محاولة إخضاع القطاع الصحي لمنطق النتائج، لا لمنطق التبرير المزمن.

وفي ملف الأدوية، اعتمدت الوزارة مقاربة عملية هدفت إلى تخفيف الازدحام دون المساس بحقوق المرضى، عبر إعادة تنظيم أوقات الصرف وتوسيع استخدام الحلول الرقمية لتوصيل الأدوية المزمنة. هذا التوجّه ينسجم مع رؤية أوسع ترى في التحول الرقمي أداة لإدارة الضغط الاجتماعي، وليس مجرد تحديث تقني.

كما شكّل تعزيز دور المراكز الصحية الشاملة وإطالة ساعات عملها خطوة باتجاه إعادة هندسة مسار المريض داخل النظام الصحي، وتقليص الاعتماد المفرط على أقسام الطوارئ. هنا، يتحول الاستثمار في الرعاية الأولية إلى خيار سياسي يقلل الكلفة ويحسّن التجربة الصحية في آن واحد.

ويكتمل هذا المسار بنمط إداري قائم على الحضور الميداني والمساءلة، تجلّى في الزيارات المفاجئة ومعالجة الاكتظاظ، بالتوازي مع الدفع نحو الأتمتة الشاملة والتحول إلى المستشفى الافتراضي، بما يعزز الشفافية وكفاءة التشغيل.

ولا ينفصل إصلاح القطاع عن أوضاع العاملين فيه، إذ يشير إنشاء صندوق ادخار لموظفي وزارة الصحة إلى وعي بأن استدامة الأداء تتطلب استقرارًا وظيفيًا وتحفيزًا حقيقيًا، وأن الكادر الصحي شريك في الإصلاح لا مجرد أداة تنفيذ.

في المحصلة، تكشف هذه القرارات عن مقاربة تسعى إلى إدارة الصحة العامة كملف اجتماعي سيادي، تتقاطع فيه السياسة بالإدارة، والاقتصاد بالعدالة، والتكنولوجيا بحق المواطن في العلاج. ويبقى التحدي الحقيقي في قدرة هذا المسار على ترجمة القرارات إلى أثر ملموس يعزز الثقة بين المواطن والدولة في مرحلة شديدة التعقيد.


تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير