banner
أخبار محلية
banner

برنامج منع الإلقاء العشوائي للنفايات يعيد تعريف علاقة الأردنيين بالمكان العام

{clean_title}
جهينة نيوز -
من ضبط الشارع إلى إعادة تشكيل الوعي
شوشان: يمكن تطوير البنية التحتية… لكن تغيير السلوك هو المعركة الأصعب
مخامرة: الإلقاء العشوائي يكلّف نحو 90 مليون دينار سنويًا.. و 60% من النفايات قابلة للتحويل إلى طاقة
ميناس بني ياسين
في لحظة تتقاطع فيها التحديات البيئية مع الضغوط الاقتصادية وتراجع جودة الحياة في المدن يبرز البرنامج التنفيذي للحد من الإلقاء العشوائي للنفايات للأعوام 2026–2027 بوصفه أحد أكثر البرامج الحكومية نضجًا من حيث الفكرة والمقاربة، إذ لا يتعامل مع النظافة كإجراء خدماتي عابر أو حملة موسمية، بل كمسار وطني طويل لإعادة بناء السلوك العام، وتحسين صورة الدولة، وتقليص كلفة الإهمال البيئي التي راكمتها سنوات من المعالجة الجزئية.
البرنامج الذي تقوده الحكومة عبر وزارة البيئة وبشراكة مع مؤسسات الدولة المختلفة يضع الإلقاء العشوائي في إطاره الحقيقي؛ مشكلة مركبة تتداخل فيها البنية التحتية مع الثقافة المجتمعية، ويتشابك فيها إنفاذ القانون مع الوعي، وتنعكس آثارها على الصحة العامة والاقتصاد والهوية الوطنية ومن هنا، فإن الرهان لم يعد فقط على زيادة عدد الحاويات أو تغليظ العقوبات، بل على إحداث تحوّل عميق في طريقة تعامل المواطن مع المكان العام.
اجتماع البيئة والشباب يؤسس لدور قيادي للشباب في حماية المكان العام
وعلى هامش الاستعداد لإطلاق البرنامج التنفيذي لاستراتيجية النظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات للأعوام 2026–2027، يعكس اللقاء الذي جمع وزيري الشباب والبيئة توجّهًا حكوميًا واضحًا نحو إدماج الشباب بوصفهم عنصرًا فاعلًا في تنفيذ البرنامج، لا مجرد فئة مستهدفة بالتوعية أو الحملات المؤقتة.
النقاشات التي دارت بين الجانبين تظهر أن الحكومة تتعامل مع ملف النظافة باعتباره مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، يتطلب إعادة تشكيل السلوك المجتمعي، وهو ما يفسّر التركيز الكبير على وزارة الشباب باعتبارها الجهة القادرة على الوصول المنظم والمستدام إلى الشريحة الأوسع في المجتمع خطة وزارة الشباب، كما طُرحت خلال اللقاء، تبدو شاملة ومتعددة المسارات، إذ لا تقتصر على حملات نظافة، بل تمتد إلى برامج توعوية، وتدريبية، وتطوعية، وريادية، مرتبطة بالعمل المناخي والبيئي، ومندمجة في البنية المؤسسية للمراكز الشبابية، والمعسكرات، والفعاليات الرياضية.
والأهم في هذه المقاربة أنها تنقل الشباب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك من خلال إشراكهم في جمع النفايات، وتشكيل فرق تطوع بيئي، وتنفيذ برامج تعليمية وريادية داخل حاضنات الأعمال، وربط القضايا البيئية بأنماط الحياة اليومية والأنشطة الرياضية والثقافية. كما أن توقيت البدء بتنفيذ البرامج خلال العطلة الشتوية يعكس إدراكًا عمليًا لأهمية استثمار وقت الفراغ لدى الشباب بدل الاكتفاء بالخطاب النظري.
في المقابل أكدت وزارة البيئة من خلال هذا اللقاء أن البرنامج التنفيذي لاستراتيجية النظافة لا يُنظر إليه كحملة ظرفية أو استجابة آنية لتحديات متراكمة، بل كبرنامج وطني متكامل، تتقاسم مسؤوليته مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، والمؤسسات الدينية، والهيئات الشبابية والتطوعية وهذا الخطاب يعكس تحولًا في مقاربة الدولة لملف النظافة، من منطق الضبط والمخالفة فقط، إلى منطق الشراكة المجتمعية وبناء السلوك.
ويمكن قراءة هذا اللقاء بوصفه خطوة تأسيسية مهمّة قبل إطلاق البرنامج التنفيذي إذ يضع الشباب في قلب المعادلة، لا على هامشها، ويؤسس لمسار تشاركي يُراهن على الوعي، والانتماء، والعمل الجماعي، باعتبارها أدوات لا تقل أهمية عن القوانين والرقابة وفي حال جرى تنفيذ هذه الخطة كما عُرضت، فإنها قد تمثل نموذجًا جديدًا في التعامل مع القضايا البيئية، يقوم على دمج الفئات الفاعلة في المجتمع، وعلى رأسها الشباب، في صناعة الحلول لا الاكتفاء بدعوتهم للالتزام بها.


إنفاذ القانون وحده لا يكفي.. تغيير الوعي هو الرهان الحقيقي
رئيس اتحاد الجمعيات البيئية عمر الشوشان يؤكد أن البرنامج الوطني ينطلق من فهم واضح لطبيعة المشكلة، موضحًا أن الإلقاء العشوائي لا يمكن اختزاله في نقص الخدمات أو ضعف الأدوات، ويبيّن أن المرحلة الحالية من البرنامج ركزت على تحسين البنية التحتية، وتنظيم عمليات الجمع، ودراسة السلوكيات المجتمعية المرتبطة برمي النفايات، باعتبارها خطوة تأسيسية لا غنى عنها، إلا أن جوهر البرنامج يكمن في المرحلة اللاحقة، التي تستهدف ترسيخ ثقافة الالتزام بحيث يصبح رمي النفايات في مكانها الصحيح سلوكًا تلقائيًا يوميًا، لا استجابة ظرفية مرتبطة بحملة أو رقابة مؤقتة.
ويشير الشوشان إلى أن التحدي الأخطر في ملف الإلقاء العشوائي ليس البنية التحتية؛ لأن تطويرها ممكن بقرارات إدارية واستثمارات واضحة، بل الخلل السلوكي الذي يتطلب وقتًا وتراكمًا ورسائل متسقة من الدولة والمجتمع معًا، ويرى أن تغيير السلوك لا يتحقق بالعقوبة وحدها، بل عبر خطاب عام واضح وتكامل بين التوعية والإنفاذ وإشراك المجتمع في حماية المكان، وهو ما يستهدفه البرنامج على المدى المتوسط.
وفيما يخص قدرة البرنامج على إحداث تحول ملموس خلال عامين يوضح الشوشان أن قياس التغير السلوكي ممكن من خلال مؤشرات غير مباشرة لكنها دقيقة، مثل تراجع النقاط الساخنة المعروفة بالإلقاء العشوائي، وانخفاض تكرار المخالفات في المواقع ذاتها، وارتفاع مستوى الالتزام الطوعي حتى في غياب الرقابة المباشرة ويشدد على أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المخالفات المسجلة، بل بمدى استدامة النظافة وثبات تحسن المشهد العام، وانخفاض كلفة التنظيف، وتحول المجتمع من متلقٍ للإجراءات إلى شريك فعلي في الحماية والرقابة.
ولا ينفصل هذا التحول عن البعد الأوسع لصورة الدولة إذ يرى الشوشان أن النظافة تعكس مستوى الإدارة العامة واحترام الموارد، وأن البرنامج الوطني لا يستهدف فقط إزالة النفايات من الشوارع، بل تحسين الصورة العامة للأردن كدولة تحترم بيئتها وتدير مواردها بكفاءة ويؤكد أن لهذا البعد أثرًا مباشرًا على السياحة والاستثمار ونوعية الحياة، لافتًا إلى أن الرهان يجب أن يكون على بناء نموذج وطني واقعي يستند إلى الإمكانات المتاحة ويربط بين الردع القانوني والتوعية والالتزام المجتمعي، بحيث لا تبقى النظافة فعلًا موسميًا، بل سلوكًا مدنيًا يوميًا.
وفي ملف العدالة البيئية يوضح الشوشان أن البرنامج يعترف بوجود مناطق كانت أكثر تعرضًا للممارسات الخاطئة نتيجة نقص الخدمات أو ضعف الرقابة في مراحل سابقة، ولذلك يجري التركيز على تحسين مستوى الخدمة وتفعيل الإنفاذ بالتوازي، بما يضمن عدم تحميل المجتمعات المحلية عبئًا غير عادل ويضيف أن الحد من الإلقاء العشوائي يشكل إجراءً وقائيًا صحيًا قبل أن يكون بيئيًا، لما له من دور في تقليل مصادر التلوث والأمراض، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن، وهو ما ينسجم مع أهداف البرنامج في حماية الصحة العامة، شريطة أن تُدمج الرقابة العادلة بالتوعية والمشاركة المجتمعية.
الأردن يدفع ثمن النفايات مرتين.. والاقتصاد الدائري هو طريق الإنقاذ
ومن زاوية اقتصادية أوسع يرى الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة أن البرنامج التنفيذي لإدارة النفايات، ولا سيما البرنامج الوطني للحد من الإلقاء العشوائي للأعوام 2026–2027، يمثل خطوة استراتيجية تتجاوز معالجة مشكلة بيئية آنية، لتندرج ضمن رؤية التحديث الاقتصادي ورؤية الأردن 2025 وخطط النمو الأخضر لقطاع النفايات ويؤكد أن البرنامج يعيد تعريف النفايات، ليس بوصفها عبئًا ماليًا فقط، بل موردًا اقتصاديًا مهدرًا يمكن استثماره لتعزيز الاستدامة وتحسين الخدمات العامة وصقل صورة الأردن كدولة حضارية ملتزمة بالبيئة.
ويشرح مخامرة أن البرنامج يعتمد نهج الاقتصاد الدائري حيث يمكن إعادة تدوير جزء كبير من النفايات السنوية وتحويلها إلى بيوغاز أو مواد خام، الأمر الذي يقلل الاعتماد على الاستيراد ويوفر تكاليف الإنتاج ويطيل عمر المكبات ويخفض الانبعاثات ويشير إلى أن النفايات العضوية التي تشكل ما بين 50 إلى 60 في المئة من إجمالي النفايات، تمثل فرصة حقيقية لإنتاج طاقة نظيفة، ما يعزز الاستدامة الاقتصادية ويحوّل النفايات من خسارة متراكمة إلى أصل تنموي يدعم النمو الشامل.
وحول كلفة الإهمال يوضح مخامرة أن الإلقاء العشوائي يسبب خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تُقدّر بمئات الملايين من الدنانير سنويًا وتشمل الخسائر المباشرة تكاليف الجمع والتنظيف التي تصل إلى نحو 90 مليون دينار سنويًا، وتشكل نسبة كبيرة من موازنات البلديات، في حين تتمثل الخسائر غير المباشرة في تلوث التربة والمياه، وتراجع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق، وانخفاض قيمة العقارات القريبة من المكبات، إضافة إلى ضياع فرص اقتصادية كبيرة نتيجة عدم استغلال النفايات كمواد خام، فضلًا عن مساهمة الإلقاء غير المنظم في زيادة الانبعاثات وكلفة التكيف مع التغير المناخي.
ويؤكد مخامرة أن الأردن يدفع ثمن النفايات مرتين مرة عند جمعها والتخلص منها، ومرة أخرى عند معالجة آثارها الصحية والبيئية، سواء من خلال تلوث المياه الجوفية، أو زيادة الأمراض، أو تراجع الإنتاجية الزراعية والسياحية، ما يجعل البرنامج محاولة جادة لكسر هذه الحلقة المكلفة، شرط التنفيذ الفعلي والسريع.
وفيما يتعلق بسوق العمل يشدد مخامرة على أن إعادة التدوير قادرة على خلق فرص عمل حقيقية، خاصة للشباب والنساء، وتحويل العمل غير الرسمي في جمع النفايات إلى وظائف مستقرة ومنظمة، مشيرًا إلى أن نجاح ذلك يتطلب استثمارًا حقيقيًا في التكنولوجيا والتدريب والتنظيم، أما إشراك القطاع الخاص، فيراه حلًا استراتيجيًا إذا ما أُحسن تنظيمه ضمن أطر قانونية صارمة توازن بين الربح والاستدامة، محذرًا من أن غياب الرقابة قد يحوّل الشراكات إلى عبء بيئي بدل أن تكون فرصة تنموية.
ما يعني أنه لا يبدو البرنامج التنفيذي للحد من الإلقاء العشوائي للنفايات مجرد حملة ضبط أو إجراء إداري، بل مسارًا وطنيًا لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمكان العام، وتقليص كلفة الإهمال البيئي، وتحويل النظافة من واجب مفروض إلى قيمة أصيلة، ونجاحه الحقيقي لن يُقاس بعدد المخالفات، بل بمدى ترسخ السلوك، وثبات المشهد الحضري، وقدرة الدولة والمجتمع معًا على حماية ما تبقى من البيئة كجزء لا يتجزأ من صورة الأردن ومستقبله.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير