القرن الأفريقي والبحر الأحمر: ساحة جديدة للصراع
كل ذلك حوّل القرن الأفريقي ومضيق باب المندب إلى ساحة تجاذب دولي وإقليمي، تقاطعت فيه مصالح القوى الكبرى مع القوى الصاعدة والطامحة، وتحول القرن إلى نقطة مزدحمة بالمتنافسين، ويعكس ذلك عدد القواعد العسكرية في جيبوتي، كما تنطق به النيران المشتعلة على الضفة اليمنية والضفة الأفريقية للبحر الأحمر، فلا نرى اليوم سوى دول أنهكتها الحروب، كما في اليمن والسودان والصومال، إلى جانب أثيوبيا الباحثة عن منفذ بحري، وأريتريا ذات الموقع الحساس، ما يحوّل هذه الدول إلى ساحات صراع بالوكالة، هذا التداخل بين التنافس الدولي، والصراعات الإقليمية، وهشاشة الدولة الوطنية، يجعل القرن الأفريقي وباب المندب والبحر الأحمر نقطة اختناق جيوسياسية شديدة الخطورة، حيث يمكن لأي اضطراب محدود أن يتحول إلى أزمة كبرى.
في هذا السياق، يبرز التواجد الإسرائيلي في القرن الأفريقي، ويُفهم الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» بوصفه خطوة تتجاوز الرمزية السياسية إلى إعادة تموضع جيوسياسي مدروس، فإسرائيل تسعى إلى كسب موطئ قدم في القرن الأفريقي وباب المندب وخليج عدن، بما يمنحها عمقاً أمنياً وبحرياً إضافياً، ويعزز قدرتها على التأثير في واحد من أخطر ممرات التجارة العالمية، غير أن هذا التواجد يحمل مخاطر جسيمة، في مقدمتها تكريس منطق الاعترافات الانتقائية بالكيانات، دون احترام القانون الدولي أو سيادة الدول، بما يسهم في تدويل النزاعات وفتح الباب أمام سباق نفوذ إقليمي ودولي، ويهدد بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة ذات انعكاسات خطيرة على ضفتيه العربيتين.
وبالتالي، فإن تداعيات التموضع الإسرائيلي في القرن الأفريقي والاعتراف بـ«صوماليلاند» لم تعد محصورة في المصالح الإسرائيلية المباشرة، بل باتت تمسّ أمن ومشاريع دول عربية محورية هي مصر والسعودية والأردن، ففي مصر، ينعكس أي اضطراب في البحر الأحمر مباشرة على قناة السويس، بما يعنيه ذلك من تهديد لأحد أهم مصادر الدخل القومي والاستقرار الاقتصادي، وفي السعودية، يشكّل هذا التموضع تهديداً لضفتها الغربية المشاطئة للبحر الأحمر، ويضيف عامل عدم يقين إلى مشاريعها الإستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع ربط مياه الخليج العربي بالبحر الأحمر، فضلًا عن تعريض منطقة نيوم لمخاطر أمنية متزايدة، تتضاعف مع التطورات في اليمن وسيطرة قوات المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة وما تحمله من ارتدادات على الأمن السعودي، أما الأردن، فإن إطلالته البحرية الوحيدة عبر العقبة تصبح عرضة للاختناق، ما يرفع كلفة الشحن وأسعار السلع، ويغذّي الضغوط التضخمية، بما قد ينعكس تراجعاً اقتصادياً وارتفاعاً في معدلات البطالة، وهكذا، تتحول اضطرابات البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى عامل ضغط مباشر يضع مستقبل هذه الدول رهينة لمسار الصراع في هذا الحوض الحيوي.
في الختام، لم يعد ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب اضطراباً عابراً، بل خطراً إستراتيجياً يهدد أمن واستقرار الإقليم بأكمله، وقد تصاعد هذا الخطر مع التواجد الإسرائيلي المتنامي، وتفاقم بفعل تفكك الدول الأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، إضافة إلى اليمن، من هنا، تبرز ضرورة تحرك جماعي عاجل عبر إنشاء منتدى إقليمي خاص بالبحر الأحمر، يتضمن قوات مشتركة ذات طابع أممي، تشارك فيها جميع الدول المشاطئة دون هيمنة أي طرف، لضمان أمن الملاحة والاستقرار، فبدون ذلك، قد يغدو البحر الأحمر بؤرة صراع جديدة تُفتّت دول المنطقة وتدفعها نحو مستقبل سياسي واقتصادي بالغ الخطورة.











