كارفور في المستوطنات .. الربحية على جبين القانون الدولي

المحامية هبة أبو وردة
ما كان يوما مستترا خلف ستائر الدبلوماسية الزائفة والتوازنات الهشة، أصبح الآن ينسج علنا؛ حيث انقشع الحجاب الرقيق الذي كان يستر التردد، ليكشف عن واقع لم يعد يخجل من نفسه، نسيج جديد من المرابحة يحاك بأيدٍ اثنتين يد الرأسمالية المتعطشة التي ترفض الخسارة وتراهن على المكاسب بأي ثمن، ويد الاستيطان الذي يخلع عباءة الجدل ليعيد تعريف وجوده كجزء لا يتجزأ من المنظومة الاقتصادية العالمية، مسدلة بذلك ستارا على جبين القانون الدولي.
الممارسات الاستيطانية الجديدة في فتح متاجر كارفور في الأراضي المحتلة هي حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات القانونية التي تخترق حدود العدالة الدولية؛ فبموجب اتفاقية جنيف الرابعة، يُعد نقل المستوطنين إلى الأراضي المحتلة جريمة بموجب القانون الدولي، وهذه الأنشطة التجارية التي تدعم الاستيطان ليست إلا تكريسًا للوجود غير الشرعي، ومخالفة صريحة للأعراف والمواثيق الدولية التي تحظر استخدام الاقتصاد كوسيلة لشرعنة الاحتلال تسهم في إضفاء طابع دائم على واقع يستند إلى القوة، مما يضرب عرض الحائط بكل الالتزامات القانونية الدولية التي تقضي بوقف الاستيطان، كأحد أوجه الاحتلال الاقتصادي ليخلق واقعا جديدا يتجاهل القانون ويجعل من الواقع الظالم قاعدة.
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على القطاع، كارفور كغيرها من الشركات متعددة الجنسيات، سعت إلى الالتزام بموقف تجاري محايد يضمن استمرار نشاطها في الأسواق المتعددة، سواء العربية أو الأوروبية الا أن هذا الموقف خالف توقعات الأغلبية الشعبية التي رأت فيه تنازلا عن المبادئ الأخلاقية ومقاربة غير متوافقة مع مفاهيم العدالة والإنصاف فظهرت حملة المقاطعة كأداة شعبية ضغطية، تهدف إلى إعادة توجيه سياسات الشركات نحو موقف أكثر شفافية ومسؤولية قانونية وأخلاقية، بعيدا عن التركيز البحت على تحقيق الأرباح دون مراعاة للآثار الإنسانية والسياسية.
في ظل هذا الصراع بين السعي للبقاء في السوق وآثار الضغط المتزايدة أثرت حملات المقاطعة والغضب الشعبي بشكل ملحوظ على صورة كارفور في بعض الأسواق العربية رغم عدم وجود بيانات مفصلة تحدد بدقة حجم الخسائر التي تكبدتها جراء ذلك، إلا أن التحليلات والمؤشرات في التقارير غير الرسمية، شهدت انخفاض ملحوظ في مبيعاتها خاص في بعض الأسواق العربية، إضافة إلى التأثير السلبي على صورتها العامة وعلامتها التجارية، الأمر الذي لن يمضي دون أثر على حصتها المستقبلة في الأسواق.
ولأن القرارات الاقتصادية ليست مجرد معاملات تجارية بحتة، بل جزء من لعبة سياسية أوسع تُعيد تعريف العلاقات بين القوى الاقتصادية والسياسية على المستوى العالمي، لم تعد كارفور، تتجاهل الديناميكيات الجيوسياسية التي تصوغ سوقا عالميا متقلبا، وباتت تستغلها لتحقيق مكاسب مستقبلية، فجاء قرارها بدخول المستوطنات خطوة مدروسة تستفيد من التوتر السياسي الراهن لتعزيز موقعها في الأسواق العالمية، ضمن نهج يجمع بين الاقتصاد والسياسة؛ فمن جهة تسعى إلى كسر حملات المقاطعة وإعادة رسم العلاقة بين رأس المال والسلطة، في رسالة واضحة بأن الشركات الكبرى لم تعد تخشى المقاطعة أو العقوبات، ومن جهة أخرى تضع نفسها بوضوح على خريطة الاقتصاد العالمي، مستفيدة من حوافز اقتصادية وتشريعية في إطار استراتيجية أوسع لتحقيق مكاسب ومكانة، رغم ما يحمله القرار من مخاطر محتملة.
برغم إغراء الدفء الذي تحمله الحوافز الاقتصادية، إلا أنه قرار محفوف بالمخاطر القانونية، حيث أن أي نشاط اقتصادي داخل هذه المستوطنات يُعد امتدادا لواقع غير شرعي وفقا لمبادئ القانون الدولي، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، التي تعين على الشركات تجنب المشاركة في انتهاكات حقوق الإنسان، حتى لو لم تكن هي من ترتكبها مباشرة، وهو ما وضع الشركات العاملة هناك في دائرة الملاحقة القضائية أمام هيئات دولية مثل محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة، في سوابق قضائية دولية لا يمكن تجاهلها، مثل تقرير مجلس حقوق الإنسان لعام 2020 الذي أدرج أكثر من 100 شركة ضمن القائمة السوداء للشركات المتورطة في دعم الاستيطان، وحكم محكمة العدل الأوروبية لعام 2019 الذي ألزم بتمييز المنتجات القادمة من المستوطنات عن تلك المنتجة داخل إسرائيل تحت طائلة الغرامات والعقوبات، أن هذه الأنشطة تعرض الشركات لمخاطر قانونية ودبلوماسية واسعة.
فبينما تفتح كارفور أبوابها في الأراضي المحتلة، تفتح أمامها نوافذ من الأزمات القانونية والاقتصادية والسياسية التي قد تُؤثر على استدامتها على المدى البعيد؛ فقد أكدت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة في تقريرها عام 2013 صراحة أن الأنشطة الاقتصادية داخل المستوطنات تُعد انتهاكًا للقانون الدولي؛ مما ينذر باحتمالية أن تُدرج كارفور ضمن الشركات المتورطة في دعم الاستيطان، مما يعرضها لمخاطر قانونية دبلوماسية واسعة.
وفي حال استمرت كارفور في هذا المسار، فإنها قد تواجه دعاوى قضائية داخل فرنسا وأوروبا، من قبل منظمات حقوقية قد تتهمها بالمشاركة في انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك استنادًا إلى قرارات سابقة مثل حكم محكمة العدل الأوروبية لعام 2017، الذي يُلزم الشركات بتمييز المنتجات القادمة من المستوطنات، مما قد يؤدي ذلك إلى غرامات أو قيود قانونية على عملياتها التجارية، ما يضعها في وضع قانوني حساس قد يؤثر على علاقتها بالأسواق الأوروبية أيضا.
غير أن القراءة السياسية الأعمق تتجاوز ظاهر القرار إلى ما هو أبعد أثرا؛ فإستقتطاب إسرائيل لواحدة من أكبر سلاسل التجزئة عالميا، هي خطوة مدروسة بدقة لاختيار الشريك المناسب في توقيت حساس؛ فالأمر ليس مجرد استثمار، إنما وسيلة لتكريس الأمر الواقع وتطبيع وجودها في المناطق المتنازع عليها، مما يُحول الاقتصاد إلى أداة لإعادة رسم الحقائق على الأرض، بحيث يصبح وجود المستوطنات أمرا مسلما به، سياسيًا وضمن المنظومة الاقتصادية العالمية أيضا.
فإن دخول كارفور إلى المستوطنات الإسرائيلية يُعيد رسم معالم الشرعية على أرض الضفة الغربية، حيث تُستخدم الحوافز الضريبية والتسهيلات التشريعية كأدوات لتطبيع النشاط الاستيطاني اقتصاديا، إذ تسعى إسرائيل منذ سنوات إلى جذب الشركات الكبرى كغطاء اقتصادي يُخفي الواقع غير الشرعي وراء تدفقات رأس المال واتساع الأسواق، في محاولة لإعادة تعريف المستوطنات كجزء لا يتجزأ من المنظومة الاقتصادية العالمية.
ومن هنا يُمثل قرار كارفور لإسرائيل بمثابة "بالون اختبار” دقيق لقياس مدى استجابة المجتمع الدولي والعربي للأنشطة الاقتصادية في الأراضي المحتلة، وفي خطوة استراتيجية ضمن جهد أوسع لإسرائيل لكسَر العزلة الدولية عن مستوطناتها واختبار قوة الضغوط السياسية والاقتصادية؛ فإذا لم يبدُ رد فعل دولي حازم، فقد تفتح هذه الخطوة الباب أمام مزيد من الشركات للاستثمار، مما يعزز من شرعية الاستيطان اقتصادياً وسياسياً.
وفي النهاية، يتضح أن هذا القرار لا يخلو من المخاطر، إذ يُعيد صياغة الرواية الدولية بتحويل النقاش من انتهاكات القانون الدولي إلى معادلة تسويقية واقتصادية تُستخدم لتحقيق مكاسب سياسية.