د.أنور الخُفّش يكتب:-العدوان الإسرائيلي على غزة ، رسالة تأكيد مسار ما بعد يهوديّة الدولة.

د.انور عادل الخفش
جهينة نيوز -

من السذاجة القول بأن الحرب الأخيرة على غزة تحت عنوان (حرب بين إسرائيل والجهاد الإسلامي) بأنها بدون أهداف ، نعم قد تكون نهايتها بلا نتائج ملموسة ومباشرة في التكتيك ، لكن بالنظرة الإستراتيجية ، تستهدف ترسيخ التفوُّق الإسرائيلي ما بعد التحالف الإبراهيمي ، حيث تم الإعلان عند إنطلاق طائرات العدوان الغاشم والظالم وقتل عشرات الشهداء وجرح المئات وفي مقدمتهم قائد عسكري من الجهاد الإسلامي ، والإعلان بأن هذه العملية تمت بالتنسيق المُسبق مع البيت الأبيض وبعض الدول العربية . تستدعي التبصُّر من قادة الدول العربية وخاصة التي تقرَّبت من دولة الإحتلال ، كون ما سيرسخ ويبقى في الذهنيّة الشعبيّة والوجدان والعقيدة الإنسانية منظر الدمار والمجزرة والأطفال والنساء الأبرياء مما سيُرسِّخ عقيدة عدم الثقة في الحكومات العربية المُطبِّعة مع دولة الإحتلال العنصرية المتطرفة لدين واحد ، الطاردة لعوامل الأمن والسلم والتعايش والإستقرار في المنطقة .
من المهم أن نُراجع بعض ما ورد في كتاب السفير الأمريكي ديفيد فريدمان (مطرقة ثقيلة ) يصف محاولات لتغيير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، كما يستعرض سلسلة لمحاولات تغيير الشرق الأوسط ، ببساطة يشرح بإيجاز كيف أدَّى كل إنجاز قام به نحو التغيير وذلك بفضل نهجه الصارم، والذي أعتبر أن وزارة الخارجية التي كان يعمل تحت إشرافها هي قلب ( الدولة العميقة) ، والسلطة الفلسطينية على أنها غير كفؤة ومليئة بالتهديدات الفارغة، والعالم العربي كوحدة تقيس غريزياً قوة خصومها. وخلص لإنجاز الأمور في ظل تلك الظروف، يحتاج المرء إلى إستخدام مطرقة ثقيلة لمحو الأعراف القديمة، كما يقول. لكن عندما تكون أداتك الوحيدة مطرقة ثقيلة، فإن كل مشكلة تبدو وكأنها جدار يجب هدمه. لقد تحطَّمت إدارة العملية السلمية ، وتم تهديم جدران إتفاقيات السلام بالفعل بإعتبارها من ضمن منظومة الأعراف القديمة، في محاولة لإعادة بناء ملامح أكثر الصراعات فوضى في الشرق الأوسط عن طريق فرض واقع عشوائي بدلاً من الإجماع نحو الإستقرار والتعايش . يأخذ فريدمان مثالاً في نفس النهج، يسرُد كيف تمّت دعوته لتقديم إرشادات أخيرة إلى الرئيس (ترامب ) من أجل دفع مبادرة السياسة المرغوبة الى خط النهاية. كان هذا هو الحال مع القرارات المتعلِّقة بالقدس في عام 2017 ومرتفعات الجولان في عام 2019، وكذلك القرار الذي تم فيه الكشف عن خطة السلام التي طال إنتظارها في عام 2019.

كما أود أن أستعرض بعض الجوانب لمقالة (أنور الخُفّش) التي نُشرت عام 1996 في صحيفة الرياض الإقتصادية السعودية والرأي الأردنية بعنوان مؤتمر (دافوس الإقتصادي) في القاهرة وقطار العملية السليمة إلى أين؟ التي إنعقدت تحت عنوان مؤتمر القاهرة الإقتصادي. في ظل المتغيرات الدولية التي تؤشر متغيرات دولية وإقليمية إستثنائية ومناخ عالمي فريد متوتِّر وأن المرحلة القادمة غير مسبوقة في طبيعتها ونتائجها ، التي أدركتها التحوّلات السياسية في جوهرها متزامنة مع إنعقاد كل من قمّتَي الدار البيضاء وعمّان . وذلك بالتحوُّل من إطار عمولة النظام العالمي الجديد الى (أمركة النظام العالمي ) ومقدّمته مشروع بريجنسكي الشرق الأوسط الجديد. كما أننا نعترف جميعاً بالسيطرة الإسرائيلية على السياسة الخارجية الأمريكية لذلك فإن الدبلوماسية العربية تحتاج لمزيد من الجهود المكثَّفة بهدف إجراء تحول في السياسة الأمريكية من إستيعاب أحقيّة دعمها ومراعاة متطلبات الجانب العربي ، لدعم الحد الأدنى للحقوق العربية في تعاملها مع العملية السلميّة وبالتعامل مع الأمر الواقع بعقلانيّة دون تجاهل هذه العوامل كما أن تفعيل الدور العربي والأوروبي مطلوب مع عدم القفز على الدور الأمريكي الأكثر تأثيراً وفعاليّة.
إن مضمون السلام الإسرائيلي من الناحية الإستراتيجية هو مشروع مسبوق بالتخطيط المُحكم لتحقيق أهداف محددة منذ زمن. حيث أصدرت رابطة السلام في تل ابيب عام 1970م ، دراسة مستقبلية في ذلك الوقت الشرق الأوسط عام 2000م على شكل مشروع إسرائيلي يرتكز على المضمون الإقتصادي وغنيّ عن الذكر في غياب المشروع العربي المقابل كان ولا يزال دورنا محدوداً عند حدود المتلقِّي و المتفرِّج ، أو الرفض أو القبول مُرغمين لضغوط الفواتير السياسية الإقليمية والدولية وللأسف العربية أيضاً.
أدركت الصهيونية العالمية حقيقة مكونات دولتهم الإقتصادية والديمقراطية العنصرية هذه الدولة التي لا يُمكنها أن تعتمد على نفسها ما دامت تُنتِج سياسة الإنغلاق الفذّ. فكان لابد لها من التحوُّل الى الإنفتاح الفذّ وما يبرر هذا الإعتقاد من منظور إقتصادي هو حجم المعونات الخارجية الأمريكية والمنظمات اليهودية العالميّة فإن نصيب الفرد الإسرائيلي من هذه المعونات يزيد على أربعة آلاف دولار هذا يزيد على ستة أضعاف متوسط دخل الفرد لكثير من الدول العربية . إن رؤيتهم الخطر متمثِّل في إستمرارية هذه المعونات وإرتباطها بكينونة الدولة الإسرائيلية وإستدامتها من هنا يمكن تسمية إسرائيل بـ الدولة المصنوعة. الحل الإسرائيلي الوحيد ، هو تسويق النظام شرق أوسطي ومدخله السلام كوسيلة لحل مشاكل إسرائيل الإرتكازية السياسية والإقتصادية وأهمها:
1-المقاطعة العربية ونتائجها لعدم إنتهاز الفرص الإقتصادية في المنطقة ، والتكلفة الباهضة لفقدانها أسواقها الطبيعيّة من المنظور الجغرافي .
2-نفقات الأمن الباهظة.
3-الحصار والسياج النفسي حول اسرائيل، وعدم قبولها بالمنطقة.
4-تجاوز كون الصهيونية سند الشريعة للقومية اليهودية ومنهج القهر العنصري.
بالتدقيق والتفحص لهذه الأسباب نجدها هي ذاتها كانت وراء تفكّك وإنهيار الإتحاد السوفييتي السابق والمنظومة الشيوعية.
نستخلص مما تقدّم البديل الفلسطيني لمشروع السلام الإسرائيلي هو عدم قبول سوى السلام الشامل والعادل وإقامة الدولة كاملة السيادة على الجو والأرض والقرار والذي يلقى قُبولاً شعبوياً عاماً. خلاف ذلك ، فإن دولة إسرائيل مهددّة من تِلقاء نفسها إذا لم نمنحها فُرصة الإنفتاح الإقتصادي على الأسواق العربية وللأسف جاء تقرير إتحاد المصارف العربية الأخير الذي يشير إلى حجم الأموال العربية المستثمرة في بورصة تل أبيب بلغ مليارات الدولارات لذلك هناك قصد بأن تترك عملية السلام مجهلة وذلك بهدف إختبار لمدى تقبُّل الرأي العام العربي . ما زالت إجراءات تطبيق إسرائيل إلتزاماتها وفق إتفاقيات السلام لا تتجاوز فُقاعات الصابون الطائرة وعندما تلامس الأرض والواقع تتلاشى آمال السلام العادل والشامل المنشود.

في الختام ، أهم نتيجة تظهير صورة إسرائيل الشعبية هو تكريس ذهنيّة وثقافة أن إسرائيل هي عدوّ حقيقي من التاريخ والحاضر وفي المستقبل. تبقى طريق تكامل الساحات النضاليّة ثقافياً واعلامياً وإبقاء الحصار والسياج النفسي حول اسرائيل ، وعدم قُبولها بالمنطقة كدولة طبيعية.

الرئيس التنفيذي / مرصد مؤشر المستقبل الإقتصادي
anwar.aak@gmail.com
تابعو جهينة نيوز على google news