2021-08-04 - الأربعاء

كان في حيّ الأرمن

كان في حيّ الأرمن
جهينة نيوز -

د. مهند العزة

 

كان في حيّ الأرمن، حواري وأزقّة ووجوه وتراكم ثلوج وسانتكلوز يجوب الشوارع وأجراس كنائس وصوت آذان، وكان فيه مغيب الشمس الذي يؤذن ببدء سريان رائحة الزيت الأسود المحترق الذي كفر بكلّ ملّة من كثرة ما كان أبو جمعة وأبو جريس يقليان فيه الفلافل أسطوانيّة الشكل، ثم كان كل نصف ساعة تقريبا، صوت محرّك وأضواء سيارة سرفيس الجوفة مرسيدس 190 مديل الستينيات -بلون أزرق يكسو أغطية أضوائها الأمامية لا أدري لماذا حتى اليوم- يكسران صمت وظلمة الحارة... هذا ما أُغلِقَت عليه عينيّ وأنا في التاسعة من عمري في حيّ الأرمن الذي كان جميلا.

كان في حيّ الأرمن، نساء لا يرتدين الحجاب دون معايرة أو عتاب، يلبسن الميني وميكرو جيب وشعرهنّ ينسدل على ظهورهنّ أو يتدلى على أكتافهنّ مجدولاً يتأرجح بتؤدة مع رشاقة خطواتهن، الكل يحترم الكل، والكل حر ما لم يضر.

كان في حيّ الأرمن، بشر لم يتوحّشُ بعد. الفتيات تلعب مع الأولاد "بيت بيوت وكومستير وعالي وَطوَط والحجلة"، دون أن ينهرهنّ أهلهنّ.

كان في حيّ الأرمن، فتيات يخرجن بمرايلهنّ الخضراء يذهبنّ إلى المدارس ويعدن منها سيراً على الأقدام، بعضهنّ تمسك بيدها قطعة "أسكيمو أحمر" أو "درادو"، وأخرى تقف مع زميلتها بجوار "صينية الكريزة" بينما الولد الأشعث الأغبر ينزع عن صنيّته ملاقط الغسيل الخشبية التي تحيط بأطرافها، قال يعني هايجين وتعقيم، ثم يقطع بمشحاف عشقه الصدأ قطعتين يضعهما في ورقة انتزعت من دفتر مسطّر، وعلى الرصيف المقابل فتيات يسرن في مجموعات يتحدّثن بصوت مرتفع رفيع،. ضحكة هنا... صرخة هناك... صوت كتب تسقط على الأرض... صيحة ممن في آخر الركب لمن في طليعته تسألها عمّا حدث مع والدتها عند الطبيب... أخرى تنفصل عن المجموعة لتتحسس شعرها محاولةً تصفيفه بعد أن تَنعكَش بسبب ارتطام رأسها بعنقود الموز المتدلّي أمام دكّان أبو جميل.

كان في حيّ الأرمن، أم جورج وأم سيمون وأم عريف وأم سركيس "الأرمنية" وأم محمد "الغزّاوية" وأم أحمد "الخليلية" وأم ردّاد "العبادية" وأم عطالله "الكركية"... جميعهنّ يتجمّعن عند أبو جميل الخضرجي. تداخل ملابسهنّ كان يسترعي الانتباه، فالثوب يتآلف مع المدرقة، والبنطلون مع التنّورة والبلوزة الحفر مع النص كُم والشاشة البيضاء مع الشعر المكشوف. شكل ولون شعرهنّ يحكي بدوره قصةً أخرى حينما يتحلّقن حول السحاحير لتنقية الخضار والفواكه، فالأبيض بجوار البنّي والأسود يجاوره الفضّي، والقصير يشدّ انتباهك إلى الطويل الذي إلى يساره، بينما المَجدْول يحوّل نظرك إلى المفرود عن يمينه... إنها لوحة مبهرة من التنوّع.

بينما أنا أتأمل في هذا الموزاييك الإنساني البديع، إذ أبو جميل -عليه رحمة الله- يناديني بلهجته الخليليّة المحببة ماطّاً اسمي حتى كاد يمزّق حروفه، فأخذت أشق طريقي بين خاصرات السيدات اللاتي يملأن دكانه الصغير، حتى إذا وقفت بجواره وبدأت أعبث بالأوزان الحديدية، تغيّر صوته فأصبح رخيماً وبدأ يرمق الجميع، وأخذ يروي قصةً لم أسمعها من قبل. بدأ يشق الصمت الذي ساد الدكّان إلا من خشخشة بعض الأكياس ودحرجة ما تبقّى في أيدي بعض زبوناته من حبات البصل والبطاطة غير الصالحة التي أعدنها إلى السحاحير، ولوهلة شعرت أنني أستمع إلى حكاية ألف ليلة وليلة بصوت أبو جميل وليس بصوت الفنانة الراحلة زوزو نبيل، فلما وصل العمّ إلى الحالة وعاش الدور وأخذته الجلالة، أماء بإصبعيه إلي حتى كاد يفقأ عيني: "هاد قصّته غريبة. كان ما فيه شيء. كانت عينيه زي عنين النسر. في ليلة من الليالي، طلع فوق السطوح من وراء أهله، وضلّه يتفرّج على القمر وهو بدر ساعتين، عبين ما انسطل وبطّل يشوف". تماوجت "اللهلهات" و"التشكتشكات" والآهات والحسرات في الدكّان، ثم انتبه الرجل أنني أعبث بميزانه ووزناته، فلم يحترم أنني بطل قصّته التي ما لبث أن ألّفها، فنهرني وأعطاني كيس الباذنجان وصرفني. سألت والدتي فور عودتي إلى البيت عن هذه القصة، فضحكت ولم تصدّقنِي، فسألتني وهي تغالب ضحكاتها: "ليكون يا ولد بتألّف وبتكذب على ظهر الزلمة؟"، أقسمت لها أنني صادق، فتمتمت وهي مستمرة بالضحك: "كِنُّه الزلمة انجنّ"!

كان في حيّ الأرمن، أم ماندو (اسم مستعار) في الستينيات من عمرها، زوجها أبو ماندو كان البعبع الذي يخيفنا لأنه كلما وقعت الكرة في حوش بيته يبقرها فوراً بالسكين ويرميها لنا من فوق الباب، فنبدأ بالصراخ عليه، ليخرج مسرعاً منتعلاً فردةً واحدةً من شبشب بلاستيك أحمر وفي يده الفردة الأخرى مشهراً إياها في وجوهنا، فيركض خلفنا بضع أمتار ثم يعود.

في عصر يوم نحس، ركضت مسرعاً لألحق بوالدتي إلى بيت جدتي الذي يبعد عنا حوالي ثلاثمائة متر، ويتطلب ذلك مني اختراق زقاق مبلّط بالباطون الناعم صعوداً إلى الشارع الرئيسي. أسطورة أبي جميل عن نظري الذي كان مثل نظر النسر؛ جعلتني أتصرف كأنني كذلك فعلا، ركضت بكل ما أوتيت من قوة صاعداً الزقاق... وما أن بلغت ثلثه الأخير، حتى ناولت أم ماندو التي وضعها قدرها البائس في طريقي نازلةً إلى بيتها ؛ كتفاً عنيفاً جعلها تفترش الأرض مستلقيةً على ظهرها وقدماها إلى السماء مشكّلةً زاويةً قائمة، تماماً كأنهما رقم 7. لم تترك أحداً من أقاربي إلا ولعنته وهي تتاوّه. تجاوزتها وانطلقت مثل السهم خشية أن تنهض وتمسك بي أو تستنجد بزوجها الشرّير.

دخلت بيت جدتي لاهثاً مرتجفا، فسألني الجميع عن سر خوفي، فقلت محاولاً ابتلاع لعابي: "خبطت بأم ماندو فوقعت على ظهرها"، تعالت الشهقات وطَرَقات الأكفّ على الأكفّ والضرب على الصدر... وفي نفس واحد سألني الجميع: "وبعدين شو صارلها؟"، دون تردد أجبتهم بأكثر ما ظننت أنه سيكون الفضيحة التي لن تنسَى والعار الذي لا يغسل: "شفت لباسها الداخلي ولونه زهري".

لم أرَ السيدة مذ ذاكَ ولم أركض منذ ذلك الحين.
تابعو جهينة نيوز على google news