banner
أخبار محلية
banner

إرهاب خارج القيود: لماذا تغيب الأساور الإلكترونية عن مراقبة "الخلايا النائمة"؟

{clean_title}
جهينة نيوز -
نافذة الـ 72 ساعة القاتلة: فاجعتا عمّان والكرك تفجران أزمة الرقابة بعد السجن

ثغرة أمنية خلف القضبان.. قوانين قاصرة وسعة تقنية معطلة.. ومطالبات بتوجيه "السوار" لضبط الخطرين بين شلل الحركة وتفكيك الفكر: خارطة طريق لسد ثغرات الإفراج عن التكفيريين والمتطرفين

عبد الرحمن أبو حاكمة

استيقظ الشارع الأردني مؤخراً على وقع صدمتين أمنيتين متتاليتين، أعادتا فتح ملف التعامل مع معتقلي قضايا الإرهاب والخطرين أمنياً فور الإفراج عنهم.. فبين اعتداء الكرك المسلح الارهابي الذي استهدف كنيسة القديس جورجيوس في بلدة حمود، وجريمة طعن العريف جواد السلايطة في شارع المدينة المنورة بالعاصمة عمّان، برز قاسم مشترك أثار قلق الرأي العام والخبراء الأمنيين وهو: (( الجناة خرجوا لتوّهم من السجون بعد قضاء محكوميات في قضايا إرهابية ونشاطات متطرفة)).
هذه العمليات المتلاحقة وضعت منظومة "الرقابة الشرطية التقليدية" تحت مجهر النقد والمراجعة، وفتحت الباب على مصراعيه أمام تساؤل ملحّ: لماذا لا تُستغل تقنية "الأساور الإلكترونية" لتتبع هؤلاء الخطرين وتطويق تحركاتهم قبل فوات الأوان؟

ثغرة الـ 72 ساعة: عندما تعجز الرقابة التقليدية

في جريمة عمّان، أقدم الجاني على طعن رجل أمن بعد ثلاثة أيام فقط من تنفّسه الحرية وإخلاء سبيله من السجن.. هذه النافذة الزمنية الضيقة تكشف بوضوح أن الآليات التقليدية المتبعة حالياً – مثل الإقامة الجبرية أو فرض إثبات الوجود اليومي في المراكز الأمنية – هي تدابير "بأثر رجعي"، ولا توفر حماية استباقية ضد شخص يحمل فكراً عقائدياً متطرفاً ونية مبيتة للقتل فور خروجه.
وفي الكرك، لم تكن الصورة مختلفة؛ حيث أعاد الهجوم على الكنيسة التذكير بـ "الخلايا النائمة" التي تنجح في تضليل تقييمات السلوك داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وتخرج إلى المجتمع وهي لا تزال تحتفظ بكامل طاقتها العدائية.

لغة الأرقام: السوار في إحصائيات "العدل"

تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل الأردنية حجم ونوعية القضايا التي تشملها الرقابة الإلكترونية، حيث تُثبت الإحصائيات انحصار التقنية في نطاق "التخفيف العقابي البسيط" بعيداً عن الجنايات الكبرى و تشير التقارير الرسمية للوزارة إلى تنفيذ 316 حالة رقابة إلكترونية (سوار إلكتروني) بديلة عن الحبس خلال عام، في حين تسجل المعدلات الشهرية أرقاماً متواضعة للغاية (على سبيل المثال، أظهرت إحصائية شهر أيلول تطبيق السوار في حالتين فقط كبديل للتوقيف، و28 حالة كبديل للعقوبة).
وتؤكد الوزارة أن التقنية مطبقة بنسبة 100% على مرتكبي الجنح غير المكررين الذين لا توجد بحقهم أسبقيات، وتتوزع الحالات تاريخياً بين بدائل توقيف مؤقت، وبدائل عقوبة سالبة للحرية. وبرزت تقنية السوار كـ "تدبير احترازي منع من الارتياد" حيث جرى تطبيقه على 15 فقط حُظروا من ارتياد الملاعب لمدة شهر بسبب أعمال شغب.
واشترت الوزارة 1500 إسوارة إلكترونية كمرحلة أولى، معلنةً أن النظام التقني والتشغيلي مجهز ليستوعب ما يصل إلى 5000 إسوارة مستقبلاً.
علما ان هذه السعة التقنية المعطلة جزئياً (حيث لم يُستغل سوى جزء منها) هي ما يدفع المراقبين للتساؤل عن أسباب عدم توجيه الفائض الاستيعابي لمراقبة معتقلي الفكر المتطرف المفرج عنهم.

نص قاصر وفلسفة "إنسانية"

تُشير النصوص القانونية الحالية في الأردن، وتحديداً المادة 25 مكرر من قانون العقوبات، إلى أن نظام الرقابة الإلكترونية (السوار الذكي) صُمم في الأصل كبديل للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة وللجنح البسيطة.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير القانوني والمحامي بالنقض، الدكتور أحمد العبادي، الأبعاد التشريعية قائلاً:
"المشرّع الأردني أوجد السوار الإلكتروني كأداة إصلاحية إنسانية بالدرجة الأولى، تهدف لحماية الموقوفين لأول مرة من الاختلاط بأرباب السوابق داخل السجون.. القانون الحالي يحظر تماماً استخدام الأساور الإلكترونية مع المكررين أو المحكومين بقضايا أمن الدولة والإرهاب.. الحاكم الإداري أو الأجهزة الأمنية لا يملكون اليوم أي غطاء قانوني لفرض هذه الوسيلة التقنية على العناصر الخطرة فور خروجهم، ونحن أمام فراغ تشريعي يستوجب تدخلاً عاجلاً من مجلس النواب لتعديل قانون منع الإرهاب وقانون أصول المحاكمات الجزائية."

السوار كمنظومة إنذار مبكر

من الجانب العملي، يرى خبراء الاستراتيجيات الأمنية أن تتبع حركة المدانين السابقين بقضايا الإرهاب تقنياً بات ضرورة لتعزيز الأمن الاستباقي.
ويعلّق اللواء المتقاعد والخبير الأمني، المستشار محمد الفايز، على الفائدة الميدانية لهذه التقنية بقوله:
"الرقابة الشرطية التقليدية القائمة على دفاتر التوقيع اليومي داخل المراكز الأمنية لم تعد تجدي نفعاً مع ذئاب منفردة أو خلايا نائمة تتحرك بدافع عقائدي أعمى.. فرض السوار الإلكتروني المربوط بنظام تتبع الـ GPS وغرفة العمليات المركزية بمديرية الأمن العام يتيح تطبيق خاصية 'المربعات الجغرافية المحظورة' (Geo-fencing). هذا يعني أنه لو اقترب محكوم سابق بقضايا إرهاب من دور عبادة، أو منشآت حيوية، أو تجمعات عامة، سيطلق النظام إنذاراً فورياً يتيح للدوريات القريبة محاصرته قبل تنفيذه لأي اعتداء. نعم ان هذه التقنية لن تمنع الفكر، لكنها بالتأكيد ستشل حركة الجسد وتمنح الأمن ميزة الرد الاستباقي."

مرحلة أكثر حرجاً تتطلب رقابة

ويرى الدكتور محمد كريشان ان الشواهد الحية تثبت أن المواجهة الأمنية تظل مرحلة علاجية لأعراض الفكر المنحرف، بينما تكمن الحصانة الحقيقية في تجفيف منابعه قبل ولادته، وبناء منظومة إصلاح وتأهيل صارمة ومقننة تمنع ارتداداته بعد احتجازه، مشيرا الى انه عند القبض على المتورطين في القضايا الإرهابية أو حاملي الفكر التكفيري، يجب أن تخضع فترة محكوميتهم لبرامج علمية دقيقة ومتعددة الأبعاد داخل مراكز الإصلاح والتأهيل من حيث التقييم النفسي والسلوكي الموحد والمقنن وتخصيص جلسات ومناظرات يُشرف عليها علماء ومفكرون ومختصون في علم النفس الجنائي، لتفكيك العقد الفكرية الشاذة، وتفنيد الشبهات، وإعادة بناء المفاهيم الدينية على أسس السلم والمواطنة.
ويؤكد كريشان على اهمية استناد أي قرار يتعلق بالتأهيل أو الإفراج الشرطي إلى توصيات لجنة تقييم مستقلة تضم أطباء نفسيين، وعلماء اجتماع، ومختصين قانونيين، وضباط إصلاح مع إخضاع قراراتها لمعايير الشفافية التامة والمساءلة القانونية، بما يضمن عدم تدخل أي مجاملات أو وساطات في ملفات تتعلق بأمن المجتمع، موضحا ان عملية الإصلاح لا تنتهي بإطلاق سراح النزيل، بل تبدأ مرحلة أكثر حرجاً تتطلب رقابة واعية ورعاية مستمرة

ويشدد على اهمية خضوع الذين أنهوا أحكامهم في قضايا الإرهاب لبرامج متابعة أمنية ودورية منتظمة، تتضمن تقييم أوساطهم الاجتماعية ونشاطهم الرقمي، وضمان عدم تواصلهم مع بؤر متطرفة.. بالاضافة الى دمج المفرج عنهم في برامج تأهيل اقتصادي واجتماعي توفر لهم فرص عمل أو تدريباً مهنياً، لسد منافذ العودة إلى بيئات الجريمة نتيجة الفقر أو العزلة المجتمعية.

تحديات معقدة تتجاوز التقنية

رغم وجاهة التوجه نحو الرقابة التقنية، يجمع الخبراء على أن السوار الإلكتروني ليس حلاً سحرياً بمفرده، فمواجهة التطرف تتطلب منظومة شاملة.. فالإسوارة ترصد الجغرافيا ولا ترصد الفكر.. إذ يمكن لحاملها تدبير الهجمات أو التواصل مع رفاقه رقمياً أو ميدانياً دون اختراق النطاق الجغرافي المسموح به.. لذا، يجب أن يترافق التتبع التقني مع برامج مراجعة فكرية (مناصحة) حقيقية وعميقة داخل السجون، بالتوازي مع رقابة استخباراتية بشرية مشددة في الخارج.
تظل دماء شهداء الواجب في عمّان والكرك شاهدة على أن أدوات الماضي لم تعد صالحة لمواجهة تحديات الحاضر، وأن سد الثغرات التشريعية وتطويع التكنولوجيا لخدمة الأمن القومي بات مسألة وجودية لا تقبل التأجيل.
في الختام .. اقترح تشكيل لجنة برلمانية مؤقتة لمراجعة قانون منع الإرهاب خلال 90 يوماً، مع توصية بإلزامية السوار لمدة 6 أشهر على الأقل بعد الإفراج.

فـ"لم يعد السؤال هل نحتاج السوار، بل كم من الوقت سنبقى ننتظر لفرضه".


تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير