غزوة حقل الفقوس
جهينة نيوز -غزوة حقل الفقوس
سعيد الصالحي
بالقرب من ملعب المدرسة، كان هناك حقل صغير يزرعه صاحبه ببعض شتلات الفقوس والبامية. وكان يحيط بالحقل جيش من الفزاعات، تتصل بعضها ببعض بحبل تتدلى منه علب معدنية فارغة للفول والحمص واللوبياء. كانت الفزاعات تخيف العصافير الباحثة عما يسد جوعها، فيما كانت العلب تصطدم ببعضها وتلفت انتباه صاحب الحقل، كلما حاولت نسمات الهواء التسلل إليه.
في أحد الأيام، تجاوزت كرتنا حدود المدرسة، وطارت كجرم سماوي فوق السور، وتخطت حبل العلب المعدنية، وحطت بهدوء بالقرب من إحدى الشتلات دون أن تصيب ثمرة أو ورقة بأذى.
أما نحن الأطفال، فبدأنا نلوم صديقنا الأفكح الذي لم يحسن تسديد الكرة، وأخذنا ننظر إلى بعضنا بعضاً، ونتساءل دون كلام: من هو البطل الذي سيذهب إلى الحقل ويعود بالكرة دون أن يقع في شباك الفزاعات أو في قبضة المزارع الذي لا يرحم؟
ولأنني كنت أحب دائماً أن أظهر بمظهر البطل الشجاع والمقدام، فقد أجبت عن السؤال وتقدمت نحو السور. كان زملائي يتبعونني من على مسافة، بحذر وترقب. قفزت فوق السور، ومشيت بضع خطوات، ثم تجاوزت بخفة حبل الفزاعات دون أن تشعر بي الدمى رديئة الصنع، أو تطلق العلب الصدئة أي إنذار. صرت أتنقل بين شتلات الفقوس بحذر، كمن يسير في حقل ألغام، خشية أن تنفجر إحدى الثمار تحت قدمي الصغيرتين.
وصلت إلى الكرة بسلام، وأمسكتها كما كان يفعل الكابتن باسم تيم، حارس المرمى العظيم. لكنني، ما إن بدأت رحلة العودة، حتى جاءني من أقصى الحقل صوت المزارع:
توقف يا ولد! سأجعلك تلعن الساعة التي دفعتك إلى السطو على حقلي.
تسمرت في مكاني، ولم أحاول الهرب، ووضعت الكرة بالقرب من خاصرتي. واصل المزارع تقدمه نحوي بسرعة، وكنت أراه يدهس بعض حبات الفقوس وهو يحث الخطى باتجاهي. بقيت واقفاً في مكاني، ببراءة طفل ينتظر ما سيحدث.
وعندما اقترب مني، صاح في وجهي:
والله لأكسر عظامك يا كلب!
تقدم حتى احتجبت الشمس خلف جسده الضخم، ثم رفع يده وصفعني بكل قوته. شعرت بأنني أرى نجوم الظهر، وبأن خدي الأيسر قد تورم ولن يعود إلى سابق عهده. لكنني لم أسقط أرضاً، ولم أفلت الكرة من يدي، ولم أشعر، رغم الألم، برغبة في البكاء.
بدا أن المزارع استغرب صمودي، فتوقف عن الصراخ وطلب مني أن أعطيه الكرة. لكنني أدرت ظهري له، وضممتها إلى صدري، وبدأت أسير برفق وتيه بين شتلات الفقوس. لم أشعر بالخوف وأنا أعطي ظهري لذلك المزارع الذي لا يشبه البشر. تجاوزت الحقل، وتقدمت نحو رفاقي رافعاً الكرة، كما لو أنني أرفع كأس العالم في الشجاعة.
بدأ أصدقائي بالتصفيق والهتاف ولعن المزارع، لكنني لم أكن أسمعهم جيداً، فقد ظلت أذني تصفر من صفعة المزارع الذي ضربني، لكنه لم ينتصر.
أكملنا المباراة بعد أن قررنا استبعاد صديقنا الأفكح، وكنت أحصل على امتياز تسديد ركلات الجزاء التي يحصل عليها فريقنا، تكريماً لانتصاري السياسي في غزوة حقل الفقوس.













