مفارقة الضحية حين تتحول إلى جلاد

مفارقة الضحية حين تتحول إلى جلاد

د. أيوب أبودية

من أغرب مفارقات التاريخ أن الشعوب التي عانت العذاب والاحتلال والاضطهاد قد تتحول، بعد امتلاك القوة، إلى ممارسة الاضطهاد بحق شعوب أخرى، وكأن الذاكرة التي كان يُفترض أن تكون حصنا ضد الظلم تتحول أحيانا إلى ذاكرة انتقائية، تستحضر معاناة الذات وتغفل معاناة الآخرين. فكيف لشعب ذاق مرارة القهر أن يقبل بممارسته على غيره؟

لقد عانى اليهود اضطهادا طويلا عبر التاريخ؛ فقد قمع الرومان ثوراتهم في فلسطين في القرن الاول، ثم سحقوا ثورة بار كوخبا في القرن الثاني الميلادي. وخلال الحروب الصليبية، تعرّضت جماعات يهودية في مدن أوروبية، ولا سيما في مناطق الراين، لمذابح واعتداءات على أيدي بعض الجيوش والحشود الصليبية. ثم جاءت النازية ليبلغ الاضطهاد ذروته المأساوية في المحرقة، خلال الحرب العالمية الثانية.

كان يُفترض أن تجعل هذه التجارب المريرة رفض الاضطهاد مبدأً راسخا في الوعي السياسي والأخلاقي، لا مجرد مطلب حين يكون اليهود هم الضحايا. لكن قيام إسرائيل، وما رافقه من تهجير جماعي للفلسطينيين عام 1948، ثم استمرار الاحتلال والاستيطان والقمع، وصولا إلى ما شهده الفلسطينيون في العقود اللاحقة من عنف ودمار ومحاولات ابادة، يطرح سؤالا أخلاقيا بالغ الصعوبة: كيف يمكن لذاكرة تاريخية مثقلة بالاضطهاد أن تتعايش مع اضطهاد شعب آخر؟

ليس المقصود هنا تحميل اليهود جميعا مسؤولية سياسات إسرائيل، ولا إنكار تنوع مواقفهم ووجود يهود يعارضون الاحتلال ويدافعون عن حقوق الفلسطينيين. فالمسؤولية تقع على الجهات التي تتخذ القرارات وتمارس العنف وتبرره.

إن الدرس الأعمق هو أن المعاناة لا تصنع العدالة تلقائيا، وأن الذاكرة لا تصبح فضيلة أخلاقية إلا حين تدفع صاحبها إلى رفض معاناة الآخرين. فالامتحان الحقيقي للشعوب التي عانت الاضطهاد ليس قدرتها على استعادة قوتها فحسب، بل قدرتها على ألا تستخدم هذه القوة لإخضاع غيرها.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاما: أن يتحول الاستشهاد بمآسي الماضي من تحذير من تكرارها إلى مبرر لتجاهل مآسي الحاضر. فهل يكفي أن نتذكر ما ارتُكب بحقنا، أم أن الوفاء الحقيقي لضحايا التاريخ يقتضي أن نرفض ارتكاب ما يشبهه بحق الآخرين؟