حطّ القلم على بياض القرطاس، وبخاطري نظم بيتين


بقلم: الدكتورة إيمان أمين الشمايلة

حطّ القلم على بياض القرطاس،
وبخاطري نظم بيتين… لكن بعض المعاني أكبر من أن تحملها الكلمات، وبعض الحكايات يكفيها أن تُروى من بعيد، كي يفهمها من يعرف قراءة ما بين السطور.
ثمّة رجالٌ مرّوا في حياة الوطن، فلم يكونوا عابرين في ذاكرته؛ تركوا وراءهم أثرًا يشبه الجذور… لا تراه العين، لكنها تعرف أنه هو الذي يمسك الشجرة حين تعصف الريح.
هؤلاء لا يحتاجون إلى من يعرّف بهم؛ فقد سبق تاريخهم أسماءهم، وكتبت مواقفهم سيرتهم قبل أن تكتبها الأقلام. بنوا ما استطاعوا، وخدموا حيث كانوا، وحملوا من المسؤولية ما يجعل السنوات شاهدةً لا مجرد أرقام.
وحين يكبر الأثر، تبدأ بعض الظلال بالاقتراب.
تلتف حول صاحب التاريخ، وتحيط به من كل جانب، وتحاول أن تغيّر اتجاه خطاه، أو أن تسحبه بهدوءٍ بعيدًا عن المكان الذي بناه بسنواته. وقد يبدو المشهد أحيانًا وكأن المكان يمكن أن يُنتزع من صاحبه، وأن التاريخ يمكن أن يُعاد ترتيبه وفق رغبة العابرين.
لكنهم ينسون أن ما يُبنى للوطن لا يصبح ملكًا لمن أحاط بصاحبه لحظة، وأن المكان الذي تأسس بالعمل لا يُعاد تعريفه بمجرد تبدّل الوجوه.
فالوطن حريصٌ على ما بُني فيه.
يعرف الفرق بين من جاء ليضيف إلى البناء، ومن جاء ليقتطع منه، وبين من يحفظ المكان، ومن يحاول أن يجعل المكان تابعًا له. ولذلك قد يبدو ساكنًا، لكنه ليس غافلًا؛ وقد يترك بعض المشاهد تمر، لا عجزًا عن رؤيتها، بل ثقةً بأن الحقيقة تعرف كيف تستعيد موضعها.
فعين الوطن لا تنام.
والوطن لا يقرأ الورق وحده، بل يقرأ ما وراءه؛ يعرف من حمل المسؤولية حين كانت ثقيلة، ومن بقي حين كان الرحيل أسهل، ومن جعل من موقعه خدمةً، ومن جعل من الخدمة طريقًا لترك أثر.
قد يستطيع البعض أن يحجب صورة، أو يضع ستارًا أمام مشهد، أو يملأ مساحةً بالصمت؛ لكنه لا يستطيع أن يطفئ ذاكرة وطن.
فالأسد، وإن ابتعد قليلًا عن عرينه، لا يصبح غريبًا عنه.
والعرين لا ينسى صاحبه.
قد تتبدل الأمكنة، وقد تتعاقب الوجوه، وقد يصمت صاحب التاريخ حين يكثر الكلام حوله؛ غير أن الصمت عند أصحاب التجربة ليس ضعفًا، بل أدبٌ مع الحقيقة.
فهم يعرفون أن بعض المعارك لا تُخاض بالصوت، وأن بعض الإجابات يكتبها الزمن نيابةً عن أصحابها.
أما من يلتفون حول الأسد، فقد ينجحون لبعض الوقت في تضييق الطريق، لكنهم لا يستطيعون تغيير وجهته في ذاكرة وطن.
فالتاريخ الحقيقي لا يُمحى بإخفاء صاحبه، ولا تُسقط السنوات من سجلها لأن أحدًا قرر ألا يتحدث عنها.
التاريخ يسكن في التفاصيل؛
في موقفٍ لم يُصفَّق له،
وفي خدمةٍ لم تُصوَّر،
وفي قرارٍ اتُّخذ حين كان ثمنه أكبر من مدح الناس،
وفي سنواتٍ كاملةٍ لا تستطيع لحظةٌ عابرة أن تختصرها.
ولذلك، لا تخافوا على الأسود من كثرة الالتفاف حولها.
فالطفيلي قد يلتصق بالشجرة، لكنه لا يصبح جذعًا، وقد يستظل بظلها، لكنه لا يستطيع أن يدّعي أنه زرعها.
وحين تستعيد الشجرة عافيتها، يعود كل شيء إلى حجمه الطبيعي.
وهكذا تمضي الحياة…
من لا يملك تاريخًا، قد يحاول أن يستعير تاريخ غيره؛
ومن يملك التاريخ، لا يحتاج إلى استعارة شيء.
وسيأتي يومٌ لا يحتاج فيه الأسد إلى أن يزأر؛ لأن العرين نفسه سيقول من صاحبه.
وسيأتي وقتٌ لا تحتاج فيه الحقيقة إلى أن ترفع صوتها؛ يكفي أن تسقط عنها طبقات الغبار.
فليس كل غيابٍ هزيمة،
ولا كل حضورٍ انتصارًا،
ولا كل صمتٍ عجزًا.
أحيانًا يكون الصمت هو المسافة التي تتركها الحكمة بين الحقيقة وبين الذين لم يتعلموا بعد كيف يقرؤونها.
ولأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المشاهد العابرة، فإن حرصه على ما بُني فيه لا يحتاج إلى إعلان.
إنه يرى.
ويحفظ.
ويميز.