غروت وبيريمتر : تحت جبل الأورال .. كيف تستعد موسكو للحظة الصفر


بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

في هذا العالم المضطرب سياسيا أصبح وجود المنشات العسكرية قاعدة ثابتة لا تغيير بها سوى لحظة " الصفر " ، فهناك منشآت عسكرية تبنى لحماية السلاح وأخرى تبنى لحماية الدولة من اللحظة التي قد يصبح فيها السلاح هو آخر ما تبقى منها ، وفي أعماق جبال " الأورال " الروسية يقف " كوسفينسكي كامين " كأنه صفحة مغلقة من كتاب الحرب الباردة ، الا أن ما تكشفه وثائق المشتريات والتحقيقات الصحفية الحديثة يوحي بأن الصفحة لم تغلق تماما ، فتحت الجبل توجد منشأة شديدة السرية تحمل الرقم " 1335" وترتبط بمركز قيادة واتصالات محصن يعرف بالاسم الرمزي " غروت " ، ومنذ عام 2018 تكشف الوثائق عن أعمال واسعة شملت " الفولاذ والخرسانة والكابلات ومعدات الحفر وأنظمة الطاقة والتهوية والحماية " بما يشير إلى تحديث كبير للبنية التحتية الموجودة تحت الأرض

ان الأرقام هنا تبدو كأنها شيفرة أكثر منها فاتورة بناء ، بعشرات الآلاف من الأطنان من المواد ، ومئات الكيلومترات من الكابلات ، وأنظمة مصممة للعمل في بيئة قد تكون ملوثة إشعاعيا أو كيميائيا أو بيولوجيا ، ليطرح السؤال الأكثر عمقا في هذا المشهد : ما الذي يحتاج إلى كل هذا التحصين ياترى ؟ ،
لتاتي الأجابة التي تقود إلى قلب العقيدة النووية الروسية ذاتها ، وهي : القيادة والسيطرة

فالخوف في الحرب النووية ليس فقط من أن تدمر الصواريخ ، وإنما من أن تقطع السلسلة التي تجعل استخدامها خاضعا لقرار القيادة ، ولهذا نشأت خلال الحرب الباردة منظومات احتياطية تضمن بقاء الاتصال والقدرة على إصدار الأوامر حتى في أكثر السيناريوهات كارثية ، ليظهر من هنا اسم " بيريمتر " الذي اشتهر في الغرب باسم " اليد الميتة " الا أن التسمية نفسها تحتاج إلى حذر ، فالصورة الشائعة عن " آلة يوم القيامة " التي تطلق الصواريخ تلقائيا بعد موت القيادة الروسية أبسط بكثير من الواقع المعروف عن النظام ، كما أن الخبير المتخصص " بافل بودفيغ " يرى أن الحديث عن إعادة تشغيل المنظومة ليس الوصف الأدق ، فالمؤشرات المتاحة تتحدث بصورة أوضح عن تحديث منشآت ومنظومات قائمة ، ليضعنا السؤال هنا في اتجاه آخر ، الا وهو : لماذا الآن؟

فلماذا تعود موسكو الان إلى تحصين منشأة من عصر الحرب الباردة في وقت أصبحت فيه الحرب النووية التي بدت لعقود وكأنها شبحا تاريخيا تعود إلى الخطاب الأمني الدولي؟ ، فعلى الرغم من أنه لا توجد وثيقة منشورة تقول إن روسيا تستعد لشن حرب نووية ، الا ان الوثائق تقول شيئا آخر لا يقل أهمية وهو أن روسيا تستثمر في ضمان بقاء منظومة القيادة النووية قادرة على العمل في أسوأ الظروف ، وهذا فرق جوهري ، فالردع النووي لا يحتاج إلى إطلاق صاروخ كي يعمل حيث يكفي أحيانا أن يعرف الخصم أن تدمير مركز القيادة لن يعني بالضرورة اختفاء القدرة على الرد

لكن الجبل هنا جزءا من الرسالة ذاتها ، ففوق الأرض تتغير الحكومات والتحالفات والخرائط ، وتحتها تبقى منظومة مصممة لسيناريو مختلف تماما وهو أن تستمر الدولة حتى بعد أن تفقد مراكزها الظاهرة ، وهذه هي المفارقة المرعبة في " كوسفينسكي كامين " ، فكلما ازداد العالم حديثا عن الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والأسلحة فائقة السرعة يعود جزء من أكثر منظومات الردع حساسية إلى مكان بدائي في مظهره في " جبل ، صخر ، أنفاق ، أبواب فولاذية ، وأسلاك تنتظر الأمر " ، إنها ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي تذكير بأن الماضي لم يغادر تماما

ولهذا السبب لا تكمن القصة الحقيقية في ما يوجد داخل الجبل بل في السؤال الذي يرفض الجبل الإجابة عنه ، وهو : إذا كانت موسكو تستثمر بهذه الضخامة في ضمان استمرار القرار النووي بعد الكارثة ، فما السيناريو الذي تريد أن تكون مستعدة له؟ ، وهنا قد لا يكون الجواب حربا وقد لا يكون هناك " يوم أخير " قادم أصلا ، لكن في عالم الردع النووي لا تقاس الرسائل دائما بما يحدث وإنما بما تستعد الدول لمنع حدوثه ، وفي " كوسفينسكي كامين " تبدو روسيا بأنها لا تبني فقط حصنا ضد القنابل بل تبني حصنا ضد " الصمت " .. صمت الاتصالات ، صمت القيادة ، وصمت اللحظة التي قد يعتقد فيها أحد أن الدولة فقدت القدرة على الرد ، فتحت الجبل لا يبدو أن روسيا تخبئ سلاحا واحدا بل تخبئ احتمالا في : أن يبقى القرار حيا ، حتى عندما يموت كل شيء من حوله .