الروبوت المحارب وهندسة الردع

د. حازم قشوع

حين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى صناعة السلاح، ويتحول من أداة لمعالجة المعلومات إلى جزء من منظومة القرار والعمليات العسكرية، فإننا نكون أمام تحول يتجاوز التطور التقني إلى إعادة صياغة مفهوم القوة والردع. فالحرب لم تعد تُدار فقط بما تملكه الجيوش من طائرات ودبابات وصواريخ، وإنما بما تستطيع المنظومة العسكرية أن تعرفه وتحلله وتقرره وتنفذه في الزمن الحقيقي.

ولعل ما يجري في الولايات المتحدة يقدم دلالة واضحة على هذا التحول؛ فالرئيس دونالد ترامب جمع أخيراً كبار شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وجرى الإعلان عن اتفاق طوعي يتعلق بمعايير سلامة الذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه أهمية هذه التكنولوجيا في الحسابات الاقتصادية والأمنية والعسكرية. كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية إنشاء قيادة جديدة للحرب الذاتية لتوسيع القدرات الروبوتية والأنظمة الذاتية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي داخل القوات المسلحة.

وفي إسرائيل، جرى إنشاء إدارة متخصصة بالذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية داخل وزارة الدفاع، فيما أعلنت الوزارة استخدام عشرات الآلاف من الأنظمة الذاتية في ساحات القتال، من أسراب الطائرات المسيّرة إلى الروبوتات البرية، بما يعكس اتجاهاً نحو دمج الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية في بنية العمل العسكري.

وهنا يظهر «الروبوت المحارب» باعتباره أكثر من آلة بديلة عن الجندي كونه اصبح جزء من منظومة تستشعر وتجمع البيانات وتحللها وتتكيف معها وتنفذ المهام بسرعة مختلفة عن إيقاع الحرب التقليدية. وعندها تتغير قيمة العدد والعدّة في ميدان المعركة، لا بمعنى أنها تفقد أهميتها كلياً، وإنما لأن وزنها النسبي يصبح مرتبطاً بمستوى المعرفة التي تديرها وبسرعة تحويل المعلومات إلى قرار وفعل.

ومن زاوية هندسة المعرفة العسكرية، تكتسب المسألة بعداً أوسع فى ذلك سيما وان مشروع التعاون التكنولوجي الدفاعي الأمريكي–الإسرائيلي الوارد في مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي لعام 2027 أدرج الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية، إلى جانب التكنولوجيا الحيوية والتصنيع الحيوي والدفاع الطبي، ضمن مجالات التعاون التي ينبغي بحث توسيعها. وهذه الإشارة لا تعني بذاتها امتلاك منظومة بيولوجية عسكرية محددة، لكنها تكشف اتجاهاً في بناء المعرفة الدفاعية يقوم على جمع مجالات علمية وتقنية متعددة داخل منظومة واحدة.

حيث تصبح هندسة المعرفة العسكرية هي الحلقة التي تصل بين الروبوت المحارب وهندسة الردع؛ لأن الذكاء الاصطناعي يمنح المنظومة قدرة أعلى على معالجة المعرفة، والأنظمة الذاتية تحول هذه المعرفة إلى فعل، فيما تفتح التكنولوجيا الحيوية والتصنيع الحيوي مجالات أخرى من المعرفة ذات الصلة بالأمن والدفاع. وعندما تتكامل هذه الطبقات، فإن القوة لا تعود تقاس بالسلاح وحده، وإنما بالقدرة على إنتاج المعرفة وربطها وإدارتها وتوظيفها.

وفي حال امتلاك إسرائيل مستويات متقدمة من هذه المنظومات، فإن معادلة التفوق العسكري تصبح أكثر ارتباطاً بالفارق المعرفي والتقني، وأقل ارتباطاً بالحساب التقليدي للعدد والعدّة وحدهما. فالمعادلة الجديدة لا تلغي السلاح التقليدي، لكنها تجعل فاعليته مرتبطة بقدرته على العمل داخل منظومة أوسع من الاستشعار والبيانات والأنظمة الذاتية والقرار السريع.
وهذا ما يجعل المسألة تتجاوز تطوير سلاح جديد إلى إعادة تشكيل بنية القوة نفسها إذ ينتقل مركز الثقل من امتلاك أدوات القوة إلى امتلاك المعرفة التي تنتجها وتربط بينها وتوجه استخدامها. وعندما تتجمع هذه العناصر ضمن منظومة متكاملة، فإن ذلك يمكن أن يمنح إسرائيل موقعاً متقدماً في تشكيل هندسة الطاولة الأمنية والعسكرية في المنطقة، باعتباره اتجاهاً استراتيجياً يستحق القراءة والانتباه.

ويأتي ذلك في وقت تتغير فيه البيئة الأمنية الدولية نفسها حيث تعمل أوروبا على تعزيز الاستعداد المدني والعسكري لمواجهة بيئة أمنية أكثر تعقيداً، وتربط مؤسساتها بين الصراعات التقليدية والمخاطر السيبرانية والتكنولوجية والتهديدات التي تطال البنية التحتية الحيوية. كما تتجه دول أوروبية إلى إعادة بناء منظومات الدفاع المدني والاستعداد المجتمعي، بما يعكس عودة مفهوم الاستعداد الشامل إلى صدارة التفكير الأمني...وفي المنطقة تأتي هذه التحولات في ظل استمرار المواجهة المرتبطة بإيران وتداعياتها الإقليمية، فيما تتزايد أهمية القرار السريع وإدارة المعلومات في تحديد طبيعة العمليات العسكرية ومساراتها. وقد عقد كبار مستشاري الأمن القومي في إدارة ترامب اجتماعاً في كامب ديفيد لمناقشة الحرب في إيران واليمن، في وقت لا تزال فيه الخيارات العسكرية والدبلوماسية حاضرة في المشهد.

وتتغير دلالة الردع فى هذا المقام ويصبح الحسم مرتبطاً ليس فقط بحجم القوة النارية وإنما بقدرة المنظومة على الوصول إلى المعلومة، وتحليلها، واتخاذ القرار، وتنفيذ الفعل ضمن الزمن الذي لا يتيح للخصم إعادة بناء حساباته. وهذه هي النقطة التي تجعل الذكاء الاصطناعي والروبوت المحارب جزءاً من هندسة الردع، لا مجرد أدوات إضافية في صندوق السلاح.

وفي ظل هذه المعطيات المعقدة التى تحدث يبرز الأردن باعتباره مركز ثقل عسكرياً وأمنياً في المنطقة، بحكم موقعه الجغرافي وقدراته العسكرية والأمنية وشراكاته الدفاعية ودوره في معادلات أمن الإقليم فإن تدعيم الأردن وتطوير قدراته الدفاعية والمعرفية والتكنولوجية يمكن أن يُقرأ باعتباره عاملاً من عوامل إعادة التوازن في منطقة تتغير
فيها هندسة القوة بسرعة.


فكلما انتقلت المنطقة من توازن السلاح إلى توازن المعرفة، ازدادت الحاجة إلى مركز توازن قادر على استيعاب التحولات، وحماية مجاله الإقليمي، وإدارة علاقاته وشراكاته، ومنع اختلال الطاولة الأمنية والعسكرية لصالح اتجاه واحد. ولذلك فإن الأردن يستطيع، بما يملكه من موقع وقدرات وخبرة وشراكات، أن يؤدي دوراً أكبر بوصفه مركز توازن في معادلة الأمن الإقليمي.

ذلك ، فإن الصورة الجديدة لا تقوم فقط على من يمتلك أكبر عدد من الأسلحة، وإنما على من يمتلك المعرفة التي تدير السلاح وتربط عناصر القوة داخل منظومة واحدة. وإذا استمر تراكم الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والتكنولوجيا الحيوية والتصنيع الدفاعي في الاتجاه نفسه، فإن ذلك يمكن أن يجعل إسرائيل أقرب إلى الجلوس على سدة الطاولة الأمنية والعسكرية في المنطقة، فيما يصبح الأردن مركز توازن من المهم تدعيمه للحفاظ على درجة الاتزان المطلوبة.

فالروبوت المحارب ليس مجرد تطور في صناعة السلاح، بل عنوان لمرحلة جديدة في هندسة الردع. وإذا كانت الحروب السابقة قد قاست القوة بحجم الجيوش وكثافة النيران، فإن المرحلة المقبلة قد تقيسها بقدرة المعرفة على إدارة السلاح، وبسرعة القرار، وبقدرة المنظومة على التعلم والتكيف والعمل المتكامل لكن يبرز سؤال عميق فهذا المقام يقوم على مالات امتلاك المعرفة التي تقود لهذا السلاح وامتلاك القدرة على تحويلها إلى منظومة قوة وكذلك من يضع الحدود التي تمنع الآلة من الانتقال من كونها أداة بيد الإنسان إلى طرف يشارك في صناعة القرار؟ فإن هندسة الردع الجديدة لن تكون هندسة تقنية فقط، وإنما هندسة معرفة وقيم وقواعد ومسؤولية لأن مستقبل الأمن لا يتحدد فقط بمن يملك الروبوت المحارب، بل بمن يملك المعرفة التي تصنعه، ومن يملك القدرة على توجيهها، ومن يحدد شكل الطاولة التي ستجلس عليها المنطقة في المرحلة المقبلة لان ذلك يمكنه من تحديد الفارق !؟.